الكنزُ الذي جاء مع العنب

لمحة نيوز

العنوان الكنز الذي جاء مع العنب
في سالف الزمان حينما كانت بغداد تزهو ببهاء العلم وجلال الأسواق قدمها شاب من أعراب البادية يدعى نعيم بن رباع يحمل في قلبه شوقا للعلم وفي يده طموحا للتجارة. لم يكن لنعيم من متاع الدنيا إلا قلب متق وهمة لا تكل ودرهمان ادخرهما أبوه من شق كده قائلا له يا بني بغداد بحر لا ينجو فيه إلا العارفون فإن خضتها فاخضها بالله ولا تفرط بصلاتك ولا بعلمك فإنهما زادك.
وصل نعيم بغداد وبعد عناء يومين استأجر غرفة صغيرة عند رجل يدعى زيد الوراق كان شديد الطبع لا يرحم في الإيجار ولا يميل للين. وبقي نعيم في نهاره يعمل حمالا بين أسواق الكرخ وفي الظهيرة ينصرف إلى حلقات العلماء في المساجد الكبرى متلمذا على يد فقهاء بغداد جالسا بين القراطيس والحبر.
وكان قد قسم أجرته اليومية على ثلاث ثلث يرسله لأبيه في البادية مع القوافل وثلث يدفعه لصاحب الغرفة وثلث يقتات به قوت يومه.


مضت الأيام وذات شهر كسدت فيه السوق ولم يجد نعيم عملا لأيام فتراكم عليه الإيجار حتى بلغ ثلاثة أشهر فاستدعاه زيد وقال له بغلظة لك ثلاثة أيام يا ابن البادية فإن لم تأتني بإيجاري رفعت أمرك إلى المحتسب وسجنتك ما بنيت هذا البيت وقفا للفقراء!
خرج نعيم في اليوم الأول يبحث عن عمل يطوف الأسواق يعرض حمل البضائع تنظيف الدكاكين حتى بيع الماء لكن لا مجيب. وفي اليوم الثاني توجه إلى ديوان الخراج لعلهم يحتاجون كاتبا أو خادما فقيل له عد بعد جمعة فالأمير مسافر.
وفي اليوم الثالث يوم سجنه كما وصفه خرج من غرفته وقد ضاق صدره وحينما سجد في صلاة الفجر دعا ربه بحړقة يا رب ما خرجت من البادية إلا في طلب وجهك فلا تجعل الدنيا تسد عني بابك.
سار دون وجهة يدفعه الهم حتى وجد نفسه في أطراف بغداد حيث البيوت المتهالكة والدروب الضيقة. وهناك وجد بيتا طينيا بالكاد قائما فطرقه يلتمس راحة فإذا الباب يفتح
من تلقاء نفسه. دخل على حياء فوجد شيخا
طاعنا في السن مضطجعا على سرير خشبي وجهه أصفر ويداه ناحلتان.
ناداه الشيخ بصوت خاڤت يا بني والله ما ساقك إلي إلا الله أنا عبد العزيز بن حميد وقد أيقنت أن ساعتي قد دنت ولست أرجو من الدنيا شيئا غير أني اشتهيت عنبا منذ أيام ونفسي تشتاق إليه.
فقال نعيم يا سيدي أبشر والله لتأكلن العنب وإن لم أملك الآن درهما واحدا.
انطلق نعيم إلى السوق مهرولا فوقف عند بائع للعنب وقال بكم العنقود قال البائع بدرهم يا فتى.
قال نعيم خذ ثوبي هذا رهنا حتى أعود لك بالمال.
نظر إليه البائع شزرا ثم قال ثوبك لا يساوي درهما لكن خذ العنب ورده إلي إن لم تدفع.
حمل نعيم العنب مسرعا وقد تمزقت نعلاه في الطريق فوصله الشيخ وهو ينازع المۏت فأطعمه بيديه حتى ابتسم الرجل وقال أحسنت يا بني والله ما عرفت ولدا بارا بأم مثلك بي اسمع إن رأيتني قد سكنت فاحفر تحت هذا الركن.
وما إن أغمض
الشيخ عينيه حتى عم السكون. قام نعيم وغطاه برداء كان على الكرسي ثم حفر تحت الركن المعين فإذا بجرة من النحاس فيها كيس ثقيل وجد بداخله سبعون دينارا من ذهب خالص وفيها رقعة مكتوب فيها
هذه وديعة وضعتها من مال تجارتي زمن الرخاء ليأخذها من أطعم جسدي عنبا في مرضي الأخير.
وقف نعيم متخشعا وقال يا رب إنك لا تضيع من أحسن.
رجع إلى بائع العنب فأعطاه عشرة أضعاف الثمن واستأذن منه أن يخيط له نعلا. ثم مضى إلى زيد الوراق فوضع له الدنانير وقال خذ أجرتك وزيادة وودعني فلن أعود إلى بيت لا يعرف الرحمة.
ثم اشترى غرفة صغيرة في سوق الوراقين وبقي ينهل من العلم ويجود في التجارة حتى صار له دكان وكرسي في مجلس العلماء.
وكلما جاءه سائل ناوله عنبا... ثم قال له من العنب بدأ رزقي فلا تسألني غيره.
الخاتمة
العبرة ليست في الكنز بل في النية التي دفنت معه وفي الوفاء الذي لا يقاس بدرهم أو عنب بل بيقين القلب
أن المعروف لا يضيع.

تم نسخ الرابط