دراهم الصبر والرحمة
دراهم الصبر والرحمة
في قديم الزمان وفي مدينة عامرة بالأسواق والقصور كان يعيش تاجر كبير اشتهر بين الناس بثرائه الواسع وكرمه في مجال التجارة وكان له قصر فخم تتلألأ جدرانه بالزخارف وتفوح من مطبخه روائح الطعام الشهي وكان لهذا التاجر زوجة صالحة لم يرزقها الله بالذرية فكانت تبحث عن السلوى فيمن حولها فاختارت ثلاث خادمات لتكون لهن بمنزلة الأم ترعاهن وتحنو عليهن
كانت الخادمات ثلاثا لكل واحدة منهن طبع يميزها عن الأخرى كانت الأولى تدعى جميلة طويلة القامة ممتلئة الجسد كثيرة الكلام تحب النوم والراحة فإذا استيقظت أقبلت على الطعام بنهم حتى تعجز عن الحركة بعدها وكانت الثانية تسمى سلمى ذات وجه حسن ولكنها متكبرة لا تحب العمل بل تأمر غيرها أن يقوم به نيابة عنها أما الثالثة فكانت أصغرهن سنا تدعى عائشة يتيمة الأبوين ضعيفة الجسد صفراء الوجه من كثرة التعب لكنها رشيقة اليدين خفيفة الحركة كأنها نسمة تمر بين أرجاء القصر تكنس وتغسل وتطبخ وتقوم بعملها وعمل رفيقتيها الكسولتين
كانت عائشة تستيقظ عند الفجر قبل أن ينهض أحد وتظل تعمل حتى يغشى الليل أرجاء القصر شعارها الذي تردده دائما "درهم حلال خير من قنطار حرام" وكانت تعيش مع جدتها العجوز في كوخ قديم على أطراف
ذات يوم دعا التاجر كبار تجار البلاد إلى وليمة عظيمة فاشتغل القصر كله بالتحضير وكان العبء الأكبر على عائشة التي عملت طوال النهار بجد ونشاط وفي المساء خدمت الضيوف بخفة كالفراشة أما جميلة وسلمى فقد أنهكهما التظاهر بالعمل أمام السيدة فجلسن متعبات بلا جدوى وبعد انتهاء الحفل قصدن المطبخ ليأكلن وهناك رأين ثلاث فئران بيضاء صغيرة ذات منظر بديع فأعجبت عائشة بجمالها وقدمت لها الطعام أما جميلة وسلمى فقد رمتا فردة حذائهما على الفئران فهربت مذعورة
في الصباح يوم التالي وضعت عائشة قدمها في حذائها فوجدت شيئا باردا صلبا فإذا بها بدرهم ذهبي تعجبت كثيرا لكنها خبأته وبدأت عملها ثم ذهبت إلى جميلة فوجدتها تتألم وقد امتلأ جسدها كدمات زرقاء ثم جاءت سلمى تئن من الألم أيضا قالتا إنهما ضُربتا طوال الليل وسُحبتا من شعرهما دون أن تعرفا الفاعل أما عائشة فلم يصبها شيء
في اليوم الثاني وجدت عائشة درهما ذهبيا
وفي طريق عودتها ليلا بينما المطر ينهمر رأت فتاة حافية ممزقة الثياب ترتجف من البرد فأشفقت عليها وأخرجت لها درهما ذهبيا وأعطتها إياه فلما رأت جميلة وسلمى ذلك سخرتا منها وضحكتا لكنها لم تهتم
ولما حل الليل طرقت امرأة فقيرة تحمل طفلها باب الخدم فأدخلتها عائشة وأطعمتها وأرضعت طفلها ثم أعطتها درهما ذهبيا ثانيا لتدفئ نفسها وتصل إلى زوجها المړيض فسخرت منها جميلة وسلمى مجددا
في الليلة التالية جاءت عجوز حافية تطلب لقمة تسد بها جوعها فترددت عائشة وتذكرت حلم المنزل الذي وعدت به جدتها لكنها رأت أن العجوز أشد فقرا فأعطتها آخر درهم ذهبي تملكه وفجأة وضعت العجوز يدها على عيني عائشة فإذا بها ترى أمامها الفئران الثلاثة البيضاء وقد تحولت إلى نساء جميلات
قالت الأولى "أنا الفتاة التي كانت
في الصباح وجدت عائشة درهما ذهبيا جديدا في حذائها فانطلقت إلى كوخ جدتها فوجدته قد تحول إلى منزل كبير جميل تحيطه حديقة مليئة بالزهور والخضروات وأشجار الفاكهة فصړخت الجدة من الفرح وحكت لها عائشة كل ما حدث وقالت "سأعيش معك هنا يا جدتي ولن أتركك أبدا فقد رزقنا الله أكثر مما تمنينا" وعاشت عائشة وجدتها بسعادة في البيت الجميل ولم يعرف أحد سرها
أيها القارئ الكريم إن هذه القصة تعلمنا أن الصبر والعمل والإحسان إلى الآخرين سبيل إلى الخير والبركة وأن من يعطي بصدق ينال أكثر مما يتمنى فاجعل قلبك رحيما ويدك سخية ولا تبخل بما تستطيع فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا وإن أعجبتك هذه الحكاية فانشرها بين