ماتت لكنها لم تصمت حكايات اسما

لمحة نيوز

توفيت ابنتـي وهـي عروس لم تتجاوز شهرا بعد ..وبعد دفنتها
كشف زوجها عن كارثه وقعت فيها….
بعد وفاة ابنتي كشف زوجها سرًا قالتـه له في الليلة التي سبقت وفاتها، سـرًا غيـر كل شيء…

توفيت ابنتي كانت في 26 من عمرها، عروسًا حديثة، متوهجة بالحياة، مليئة بالخطط والأحلام التي لم تجد وقتًا لتكتمل.

السبب الرسمي الذي سُجـل في المحضر كان سقوطًا عرضيًا من شرفة المنزل…. قال زوجها للشرطة إنها كانت تضحك وتشرب وتتحرك بخفة، ثم انزلقت حين اتكأت على السور لتتأمل الخارج. حادث مؤسف. قضاء وقدر. هكذا قيل لنا…

عندما وصلتنا المكالمة، سقطت على أرضية المطبخ، لم أشعر بقدمي، ولم أسمع صوتي. ذهب زوجي على الفور لإنهاء الإجراءات واستلام الجثمان. أما أنا فبقيت في البيت، أتحرك كمن فقد الإحساس بكل شيء. كان فستان زفافها لا يزال معلقًا في خزانة غرفة الضيوف، أبيض، صامت، كأنه ينتظرها. وباقة وردها، وقد ذبلت، كانت ملقاة على الطاولة، منسية كما تُنسى الأحلام فجأة…..أُقيمت الجنازة في مدينتنا الصغيرة في صعيد مصر. تجمع بسيط، العائلة، بعض الأصدقاء، عدد محدود من أقارب الزوج، وزميلاتها من الجامعة. كان النعش مغلقًا. لم أسأل لماذا. لم أكن أملك طاقة للسؤال؟..

وصل الزوج متأخرًا، يرتدي بدلة داكنة، عيناه محمرتان، وملامحه منهكة، كأن الحزن أفرغ روحه قبل جسده. وعندما طُلب منه أن يصلي عليها، صعد بخطوات بطيئة محسوبة، في البداية قال ما يُقال في مثل هذه اللحظات…ثم… تغيّرت نبرته.

قال بصوت متصدع: لقد أخبرتني نورا بشيء… في الليلة التي سبقت وفاتها. كنا نجلس في الشرفة، نشرب العصير، والهواء كان هادئًا. فجأة اتكأت نحوي وهمست: عامر… هناك أمر لم أخبرك به من قبل. أمر لا يعرفه أحد…ساد الصمت .

تابع وهو يبتلع ريقه: قالت إنها خائفة. خائفة من أن يكتشف أحدهم الحقيقة. قالت إن الأمر قد يدمـر كل شيء.
شعرت بيدي تقبضان على حافة المقعد. قلبي كان يدق بعنف.
زفر عامر بعمق، قالت لي: لم أقصد أن يصل الأمر إلى هذا الحد. أردت فقط أن أحميها….أحميها؟
انتشرت همهمة خافتة بين الحضور…تراجع عانر خطوة، ونظر نحو النعش، ثم أكمل…لم أعرف أبدًا من كانت تقصد. لم أفهم ماذا تعني. لكن في الصباح التالي… كانت قد رحلت…
كان الصمت في القاعة خانقًا. يداي ترتعشان. التفت إلى زوجي، فوجدته يحدق أمامه، شاحب الوجه، كأن الدم قد غادره فجأة.
بعد انتهاء مراسم العزاء، دار الناس حول عامى يعزونه. أما أنا، فلم أستطع الحركة، ولم أستطع الكلام.ماذا كانت تعني ليان؟
ماذا فعلت؟ومن كانت هي التي قالت إنها تريد حمايتها؟
في ذلك اليوم، لم يكن الحزن وحده هو ما خنقني… كان الخوف.
لأنني أدركت أن ابنتي ماتت وهي تحمل سرًا، وأن زوجها فتح أمامنا باب سؤال قد لا نجد له إجابة أبدًا..

في تلك الليلة لم أنم ولم أبكِ أيضا كأن الحزن تجاوز مرحلة الدموع واستقر ثقيلا في صدري يمنعني حتى من التنفس ظل كلام عامر يتردد في رأسي بلا توقف أحميها أحميها ممن ومن هي تلك التي كانت ابنتي تخاف

أن يكتشف أحدهم حقيقتها
مع أول ضوء للفجر دخلت غرفة نورا الغرفة التي لم تمكث فيها عروسا سوى أسابيع قليلة كل شيء كان ساكنا كما تركته عطرها على التسريحة المرآة التي كانت تقف أمامها طويلا ودفتر صغير بلون أزرق داكن كانت تحمله معها منذ سنوات مددت يدي إليه وفتحته ببطء كأنني أفتح بابا أخشى ما خلفه
لم تكن مذكرات عادية كانت خواطر متقطعة تواريخ متباعدة جمل ناقصة وكلمات مكتوبة على عجل وكأنها كانت تخشى أن يراها أحد قرأت صفحات كثيرة بلا معنى واضح حتى وصلت إلى صفحة أخيرة كانت مختلفة الخط فيها مرتجف والحبر أثقل
كتبت نورا فيها أنها أخطأت ذات يوم خطأ ظنت أنه سيموت مع الزمن لكنها اكتشفت أنه كبر معها وأنها لم تعد قادرة على الهروب منه كتبت أنها خافت أن تخبر أحدا لأن الحقيقة ستدمر أكثر من حياة وأنها ظنت أن الصمت هو الحل الوحيد
كانت هناك جملة واحدة خطفت أنفاسي
أنا لا أخاف على نفسي بقدر خوفي على أمي
جلست على الأرض والدفتر بين يدي لم أفهم كل شيء لكنني فهمت شيئا واحدا ابنتي كانت تحمل عبئا أكبر من عمرها
في المساء جاء عامر طلب أن يراني وحدي جلس أمامي شاحبا مترددا كأنه يخوض معركة داخلية قلت له بهدوء لم أعرف من أين أتيت به قل لي الحقيقة كاملة لم يعد هناك ما نخسره
تنفس بعمق ثم قال إن نورا اعترفت له في تلك الليلة بأنها كانت شاهدة منذ سنوات على أمر خطير يتعلق بشخص قريب من العائلة وأنها حاولت حماية فتاة أصغر منها في السن من أذى محقق وأن ذلك الشخص
كان يعرف أنها تعرف وكان يهددها بالصمت وأن خوفها لم يكن من الفضيحة بل من أن يصيبنا نحن أي أذى
قال عامر وهو يخفض رأسه إنها لم تقل اسما ولم تحدد شيئا لكنها كانت مذعورة على غير عادتها وقالت له بالحرف الواحد لو حصل لي حاجة متصدقش إنها كانت حادثة
عند تلك الجملة شعرت أن الأرض تميد بي كل ما قيل عن سقوط عرضي وكل ما حاولنا تصديقه انهار دفعة واحدة
في الأيام التالية لم أهدأ لم أصرخ ولم أتهم أحدا علنا لكنني بدأت أبحث بهدوء امرأة موجوعة تعرف أن الحقيقة لا تأتي بالصوت العالي بل بالصبر وجدت رسائل قديمة في هاتفها أرقام مجهولة مكالمات محذوفة ملاحظات صغيرة تحمل تواريخ مريبة
تقدمت ببلاغ جديد لم أتهم أحدا مباشرة لكنني طلبت إعادة فتح التحقيق بناء على ما تركته ابنتي من إشارات وعلى شهادة زوجها لم يكن الأمر سهلا ولم يكن سريعا لكن الحقيقة لا تموت إن وُجد من يطالب بها
بعد شهور طويلة ظهرت الخيوط وتكشفت وقائع قديمة كانت مطموسة وتبين أن نورا لم تسقط من الشرفة بل كانت تدفع دفعا في لحظة هلع بعد مواجهة لم تكن مستعدة لها
لم تعُد ابنتي لكن اسمها لم يذهب هدرا وأدركت متأخرة أن نورا لم تكن ضحية فقط بل كانت شجاعة اختارت أن تحمي غيرها حتى لو كلفها ذلك حياتها
اليوم حين أقف أمام صورتها لا أبكي كما كنت أفعل في البداية أنظر إليها وأهمس لها أنك فعلت ما لم أستطع أنا فعله في عمري كله اخترت الحق رغم الخوف
النهاية
بعض الأسرار لا تُقال لأنها عار وبعضها يُخفى لأنه
شجاعة
ونورا ماتت..لكنها لم تصمت

تمت

تم نسخ الرابط