عمتي حااولت حكايات اسما

لمحة نيوز

حاولت عمّتي أن تطردني من أرض جدي بعد دفنه بأيام… لكن جملة واحدة من المحامي أسقطت كل حساباتها
لم أكن أظن يومًا أنني سأُجبر على الدفاع عن البيت الذي تربّيت فيه، أو أنني سأقف في مواجهة من يفترض أنها عائلتي، فقط لأثبت أن الانتماء لا يُقاس بورقة ميراث.
نشأتُ في قرية صغيرة على أطراف دلتا النيل، حيث تمتد الحقول الخضراء حتى يلامس طرفها صفحة السماء، وحيث يعرف الناس بعضهم بعضًا بالاسم والملامح والتاريخ. كان بيت جدي في نهاية الطريق الترابي، تحيط به أشجار الجميز القديمة، وتفوح منه رائحة الطين المبلل والقمح المخزون.
حين فقدتُ والديّ في حادث سير وأنا في الثانية عشرة، تغيّر كل شيء دفعة واحدة. أذكر الممر الأبيض في المستشفى، والهمسات الثقيلة، ووجوه الأقارب التي كانت تحاول أن تبدو متماسكة. كنت جالسة على مقعد بلاستيكي بارد حين سمعت صوت جدي يشق الصمت:
“البنت ستعود معي.”
لم يكن في صوته تردد ولا سؤال. كانت جملة واحدة، لكنها

أعادت ترتيب حياتي كلها.
منذ تلك اللحظة، لم يعد البيت مجرد مكان أسكنه، بل صار ملاذًا، وصار جدي عالمي بأكمله. علّمني كيف أزرع الأرض، وكيف أقرأ اتجاه الريح، وكيف أميز بين الغيمة العابرة وتلك التي تحمل مطرًا حقيقيًا. علّمني أن الأرض كالكائن الحي؛ إن أهملتها ماتت، وإن أحببتها أعطتك أكثر مما تتوقع.
لم تكن حياتنا مترفة. كان السقف يرشح في الشتاء، وكانت جدران الحظيرة تحتاج إلى ترميم دائم. لكننا كنا نعيش بكرامة، نأكل مما نزرع، ونبيع الفائض في السوق الأسبوعي. وفي الليالي التي كانت تعاودني فيها الكوابيس، كان يجلس إلى جواري ويقول: “أنتِ في أمان هنا. ما دمتِ على هذه الأرض، فلن يمسك سوء.”
كبرتُ وأنا أصدق تلك الكلمات.
تزوجتُ في العشرين، ظننت أنني وجدت حياة مختلفة، لكن زواجي لم يدم طويلًا. عدتُ إلى بيت جدي بعد سنوات قليلة، أحمل معي ثلاثة أطفال وندوب تجربة فاشلة. لم يسألني جدي عن الأسباب، ولم يوبخني. اكتفى بأن قال وهو ينظر إلى
أحفاده الصغار يركضون في الفناء: “كلما كثرَت الأقدام في البيت، ازداد دفؤه.”

توليتُ شؤون المزرعة تدريجيًا مع تقدّم سنّه. بدأتُ أرافقه إلى السوق، ثم صرتُ أذهب وحدي. تعلّمتُ الحسابات، والتفاوض مع التجار، ومراقبة المحصول. وحين ضعفت صحته أكثر، وصار يصعد السلم ممسكًا الدرابزين بكلتا يديه، كنتُ قد صرتُ أنا العمود الذي يستند إليه البيت.
كانت السنوات الأخيرة قاسية. جفافٌ مفاجئ في صيف، وصقيعٌ مبكر في شتاء آخر، ومحصول خاسر اضطررتُ بسببه إلى أخذ قرض صغير من البنك. لم أخبر أحدًا، حتى لا أقلقه. كنتُ أؤمن أن الأرض التي صمدت عقودًا لن تسقط في عام واحد.
في تلك الفترة، لم تظهر عمّتي إلا نادرًا. كانت قد غادرت القرية منذ عشرين عامًا، وانتقلت إلى المدينة الكبيرة، حيث تزوجت رجل أعمال واعتادت حياة الصالات الواسعة والمناسبات اللامعة. كانت تقول إن حياة الحقول “لا تليق بطموحها”. لم أكن ألومها؛ لكلٍّ طريقه. لكن ما كان يؤلمني أنها لم تتصل
بأبيها إلا حين تحتاج مالًا.

وكان يرسل لها.
حين دخل جدي مرحلة الرعاية الطبية في أيامه الأخيرة، لم تأتِ. أرسلت رسالة قصيرة تسأل عن حاله، وكأنها تسأل عن طقس يوم عابر. كنتُ أنا الجالسة إلى جواره، أمسك يده وأقرأ في عينيه ما لا يُقال.
توفي فجر يوم هادئ. كنتُ إلى جانبه حين خفت أنفاسه، وحين سكنت يده في يدي. شعرتُ يومها أن جزءًا مني انطفأ.
ظهرت عمّتي بعد الظهر.
وصلت بسيارة فارهة لم تعتد طرقنا الترابية رؤيتها. نزلت بثياب أنيقة ونظارة شمسية تخفي نصف وجهها. لم تحتضنني، لم تسأل عن الأطفال، لم تجلس لتبكي. نظرت حولها طويلًا، كما لو كانت تقيّم عقارًا معروضًا للبيع.
في الأيام الثلاثة التي سبقت الجنازة، تجولت في البيت والحظيرة والمخازن. كانت تفتح الأدراج، وتلتقط الصور، وتدوّن ملاحظات في هاتفها. سمعتها تقول بصوت خافت: “الموقع ممتاز… وقريب من الطريق الجديد.”
سألتها مرة: “لماذا تقولين ذلك؟”
أجابتني بابتسامة باردة: “لأن
هذه الأرض تساوي ثروة الآن. شركات التطوير تبحث عن مساحات كهذه.”

تم نسخ الرابط