لم يكن والدي حكايات اسما
ربـانـي أفـضل أصـدقاء والـدي كأننـي ابنتـه وبـعد جنـازته وصلنـي خـطاب كتـب عليـه: هـو لـم يـكن كمـا ادعـى..
عندما كان عمري 3 سنوات، توفي والداي في حادث سيارة على طريق الإسكندرية الصحراوي. لا أتذكر عنهما شيئًا تقريبًا..
كان عمرو صديق والدي المقرّب منذ الطفولة. كان قريبًا من عائلتنا جدًا، لذلك بعد وفاتهما، تبناني رسميًا.
ربـاني كأننـي ابنـته الحـقيقية.
لم أشعر يومًا بالوحدة معه…كان يقرأ لي قصص ما قبل النوم، يحضر كل حفلات المدرسة، ولاحقًا هو من سلّمني لزوجي يوم زفافي. حكايات اسما
أحيانًا كنت أسأله عن والدي، فيحكي لي بعض الذكريات، لكنه لم يدخل في التفاصيل أبدًا. كان يقول إن العودة لتلك الأيام مؤلمة جدًا، لأنهما كانا له كالأهل.
لم يتزوج أبدًا، ولم ينجب أطفالًا غيري. كنت عالمه كله، كما كان هو عالمي. حكايات توته وستوته
الشهر الماضي، توفي بعد صراع مع السرطان.
شعرت وكأن الأرض انسحبت من تحت قدمي.
بعد أيام من الجنازة، عدت إلى بيته في حي مصر الجديدة لأجمع بعض أغراضه.
من خلال النافذة، رأيت امرأة غريبة تدس شيئًا سريعًا في صندوق البريد.
ركضت للخارج وناديتها، لكنها اختفت في الشارع قبل أن أصل إليها….فتحت الصندوق….كان هناك ظرف.
لا اسم. لا طابع بريد….في الداخل… ورقة صغيرة وذاكرة فلاش….ارتجفت يداي وأنا أقرأ: أنتِ لا تعرفين الحقيقة عما حـدث لوالديكِ الحقيقين. عمرو لم يكن كما كان يظهر لكـ. إذا أردتِ معرفة الحقيقة كاملة، شاهدي ما على الفلاشه…دقـات قلبي تسارعت.
أخرجت الفلاش من الظرف…بصراحة… كنت خائفة.
لكن فضولي كان أقوى.
دخلت إلى البيت، وأدخلته في حاسوبي فورًا.
عندما فتحت الملفات… القيته وصرخت…
سلي على محمد وال محمد وتابع معايا….
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أمسكتُ الفأرة بيدٍ مرتجفة وضغطت على أول ملف ظهر أمامي
كان مقطع فيديو بتاريخ قديم يعود إلى قبل الحادث بأيام قليلة
ظهر والدي الحقيقي جالسًا في غرفة لا أعرفها يبدو متوترًا وعيناه تزوغان كأنه يخشى أن يسمعه أحد
قال بصوت خافت إن حدث لي شيء فاعلموا أن الأمر لم يكن حادثًا عابرًا وإن عمرو يعرف الحقيقة كاملة
تجمد الدم في عروقي
انتقلتُ إلى الملف الثاني فكان تسجيلًا صوتيًا بين والدي وعمرو
كان أبي يصرخ فيه لماذا خنتني
وعمرو يرد بانفعال لم أخنك كنت أحاول حمايتك
ثم انقطع التسجيل فجأة بصوت ارتطام قوي
شعرت بدوار وكأن الجدران تضيق عليّ
فتحت الملف الثالث وكانت
ظهر في إحدى الرسائل تهديد صريح من طرف مجهول يطالبهما بالانسحاب
جلست على الأرض أتنفس بصعوبة
هل يمكن أن يكون الحادث مدبرًا
هل عمرو متورط أم كان يحاول إنقاذهما
تابعت تشغيل آخر مقطع
ظهر عمرو نفسه بعد سنوات يبدو أكبر سنًا وأكثر إرهاقًا
كان يسجل رسالة بصوت مكسور
قال إنني إن كنتِ تشاهدين هذا الآن فهذا يعني أنني فشلت في إخبارك بالحقيقة طوال حياتي
قال إن والدك اكتشف فسادًا خطيرًا في الشركة التي كان يعمل بها وأنه كان ينوي فضحه
وأن هناك من هددهما بالفعل
وأضاف أنه في ليلة الحادث حاول إقناع أبي بعدم السفر لكن أبي أصر
ثم سمعنا بكاءه وهو يقول كنت خلفهما في السيارة أحاول اللحاق بهما عندما اصطدمت بهما الشاحنة
توقفت أنفاسي
أعاد المقطع مشهدًا من كاميرا طريق يُظهر شاحنة تنحرف فجأة نحو سيارة والدي
ثم يظهر في الزاوية رقم لوحة غير واضح
قال عمرو في التسجيل إنه حاول جمع الأدلة لكنه تلقى تهديدًا مباشرًا
قيل له إن بقيتِ الطفلة حية فستكون التالية إن استمر بالبحث
لهذا قرر تبنيني وأخفى الحقيقة لحمايتي
انفجرتُ بالبكاء
تذكرت كل لحظة
لم يكن قاتلًا
كان رجلًا يحمل ذنبًا لأنه لم يستطع إنقاذ أعز أصدقائه
في نهاية التسجيل قال سامحيني لأنني لم أكن شجاعًا بما يكفي لأخبرك عندما كبرتِ لكنني كنت أخاف أن يعيد الماضي نفسه
أغلقت الحاسوب ووضعت يدي على صدري
شعرت بمزيج من الألم والامتنان
في تلك اللحظة سمعت صوت طرق خفيف على الباب
فتحت فوجدت امرأة في منتصف الخمسينات بعينين دامعتين
قالت إنها أخت والدتي
وأنها هي من وضعت الظرف لأنها لم تعد تستطيع حمل السر
أكدت أن عمرو حاول لسنوات إعادة فتح التحقيق لكن القضية أغلقت باعتبارها حادثًا
وقالت إن هناك شخصًا ما ما زال حيًا يعرف الحقيقة كاملة
ناولَتني ورقة باسم رجل كان مدير الشركة آنذاك
وقبل أن ترحل قالت عمرو أنقذك مرتين مرة حين تبناك ومرة حين دفن الحقيقة ليبقيك بعيدة عن الخطر
أغلقت الباب وعدت إلى الداخل
نظرت إلى صورته المعلقة على الحائط
لم أرَ فيها سوى وجه أبٍ حقيقي
أدركت أن الحقيقة لم تكن أنه لم يكن كما ادعى
بل أنه كان أكثر مما ادعى
كان حارسًا صامتًا تحمل وحده عبء الماضي
مسحت دموعي وهمست سأكمل ما بدأتَه
لن أبحث بدافع الانتقام بل بدافع العدالة
وفي قلبي
بل كان النور الذي أبقاني على قيد الحياة حتى أستطيع أن أواجه الحقيقة بنفسي