ظل الظرف الأخير

لمحة نيوز

ظل الظرف الأخير
اسمي سلمى حسين. عمري اثنتان وثلاثون عاما. وهذه ليست شهادة حزن عابرة بل محاولة بطيئة لترتيب ما انكسر داخلي منذ صباح شاحب خارج الإسكندرية حين أدركت أن الغياب لا يأتي دائما بالموت وحده بل أحيانا باختيار واع من الأحياء.
حين نادتني أمي من خلفي عند بوابة المقبرة لم ألتفت فورا. كنت قد تعلمت خلال دقائق قليلة أن أختار ما أسمعه. كان الصوت حادا متأخرا ومشحونا بذات السلطة القديمة التي اعتادت أن تسبق الألم لا أن تواسيه. ضغطت الظرف إلى صدري كما لو أنه يمكن أن يذوب في جلدي كما لو أن خط عمر عليه سيحرسني من أي يد أخرى.
قالت أمي سلمى. لم تضف شيئا. الاسم وحده كان مطالبة لا نداء.
لم ألتفت. رفعت بصري إلى شجرة وحيدة قرب السور أوراقها تتحرك مع الريح كما تحركت الأعلام الصغيرة قبل قليل. تذكرت يد عمر حين كان يربت على كتفي كلما وجدت نفسي متعبة أكثر من اللازم. كان يقول خذي نفسا. لا أحد يراك قوية إلا لأنك تتنفسين رغم كل شيء.
تنفست.
ثم التفت.
أمي كانت واقفة على بعد خطوتين. أبي خلفها

صامتا كما اعتاد أن يكون حين يفضل أن تمضي الأمور نفسها دون تدخل. أختي بثوبها الأبيض الذي لم يذق بعد رائحة التراب وريم بملامح محاولة تحاول أن تبدو قلقة دون أن تكون متورطة.
قلت بهدوء لم أعرف من أين أتى انتهى العزاء.
قالت أمي نحتاج أن نتحدث الآن.
كررت الجملة في رأسي. الآن. كأن الزمن كان ينتظر موافقتها.
أجبت ليس هنا.
خطت خطوة أقرب ثم توقفت. ربما رأت شيئا في عيني لم تعتد رؤيته. ربما أدركت أن سلطتها القديمة لا تعبر الأسوار الترابية للمقاببر.
قال أبي أخيرا سلمى نحن عائلتك.
نظرت إليه. فكرت في كل المرات التي كانت فيها كلمة عائلة ذريعة لتأجيل حضوري لتغليب المناسب لتفضيل الصورة على الجهد. قلت العائلة تحضر.
لم يرد.
استدرت ومشيت. لم أركض. لم أصرخ. كنت أمشي فقط. ذلك النوع من المشي الذي لا يلتفت لأن الالتفات صار رفاهية.
في السيارة وضعت الظرف على المقعد المجاور. يداي كانتا ترتجفان. ليس خوفا مما بداخله بل خوفا مما سيغيره. حين فقدت عمر فقدت شيئا أعرفه. لكن فتح الظرف كان يعني مواجهة ما
لا أعرفه بعد.
تذكرت كيف كان يكتب. دقيقا واضحا بلا زينة. كان يكره الالتفاف ويؤمن أن الصدق لا يحتاج مقدمات طويلة. ضحكت بخفة ثم بكيت بلا صوت.
في شقتنا الصغيرة كان كل شيء في مكانه. الحذاء قرب الباب. الكوب الذي نسيه على الطاولة. الستارة التي أصلحها قبل أسبوع واحد. جلست على الأريكة ووضعت الظرف أمامي كما يوضع شيء مقدس.
فتحته.
لم يكن رسالة واحدة بل ملفا رفيعا وأوراقا مرتبة بعناية. في الأعلى ورقة بخط يده
سلمى إذا وصلتك هذه الأوراق فهذا يعني أنني لم أعد أستطيع أن أشرح لك بنفسي. أعرفك. ستكرهين الغموض وستحاولين أن تكوني قوية أكثر مما يلزم. لا تفعلي. خذي وقتك. واقرئي ببطء.
توقفت. شربت ماء. ثم تابعت.
تعرفين عملي. تعرفين أنني أرى أشياء لا تحكى بسهولة. لكن ما لم أخبرك به هو أنني تعلمت من النار درسا واحدا الخطر الحقيقي ليس اللهب بل ما نخبئه تحته. لذلك قررت أن أترك لك كل شيء واضحا إن حدث ولم أعد.
كانت هناك نسخة من وصية مرتبة موثقة. لم تكن مفاجئة. عمر كان دائم الاستعداد ليس للموت بل لتحمل
مسؤوليته. لكن الورقة التالية كانت مختلفة.
هناك صندوق صغير في المخزن خلف علبة الأدوات. بداخله تسجيلات ووثائق. ليست عن عملي بل عن أشياء لاحظتها ولم أكن متأكدا كيف أقولها لك دون أن أؤذيك. إن قررت ألا تفتحيه فهذا حقك. لكن إن فعلت أرجوك أن تتذكري أنا فعلت ذلك لأحميك لا لأزرع شكا.
أغلقت الملف. نهضت ببطء وذهبت إلى المخزن. الصندوق كان هناك كما وصف. صغير معدني بلا قفل.
حين فتحته لم أجد أسرارا صاخبة. لم تكن خيانة ولا فضيحة. كانت مراسلات قديمة وحديثة بين أمي وشخص يعمل في إدارة ما تتعلق بتقارير وبإجراءات وبمحاولات تسوية أمر كان عمر قد أبلغه رسميا.
قرأته مرة. ثم مرة أخرى.
عمر لم يمت فقط في دادث. عمر كان قد أصر على عدم تجاهل خطأ. خطأ كبير له تبعات. وكانت هناك محاولات لاحتوائه لتأجيله لتنعيم حوافه. لم يكن عمر من هذا النوع.
فهمت الآن استعجال أمي. لم يكن خوفا علي. كان خوفا مما أعرفه.
جلست على الأرض. لم أبك. شعرت بشيء بارد وواضح يستقر في داخلي. الوضوح مؤلم لكنه عادل.
رن الهاتف. ريم.
لم
أرد.
رن مرة أخرى. رسالة سلمى نحن
تم نسخ الرابط