ظل الظرف الأخير
قلقون. دعينا نتحدث بهدوء.
الهدوء كلمة يستخدمها من يخاف الحقيقة.
في اليوم التالي ذهبت إلى النقابة. النقيب خالد استقبلني بصمت محترم. وضعت أمامه نسخة من الأوراق. قرأ. رفع رأسه. قال عمر كان شجاعا.
أجبت كان صادقا.
الإجراءات لم تكن سهلة. لم يكن الهدف انتقاما. كان استكمال ما بدأه. كل خطوة كانت تثقل صدري لكنني لم أتراجع. كنت أسمع صوته في رأسي افعلي الصحيح حتى لو كان أثقل.
خلال تلك الأسابيع تقلصت دائرة الاتصالات. اختفت الأعذار. ظهرت المسافات. أمي حاولت مرة أخيرة. قالت تفعلين هذا ضد عائلتك.
قلت بهدوء أفعله من أجل نفسي.
الصمت الذي تلا كان اعترافا.
لم أعد أنتظر اعتذارات. تعلمت أن الحضور لا يفرض وأن الحب يقاس بالفعل لا بالمناسبات. بيتنا لم يعد كما كان لكنه لم يعد هشا. صار مكانا أستطيع أن أتنفس فيه دون شرح.
في مساء هادئ فتحت آخر ورقة في الملف. كانت بخط عمر
إن وصلت إلى هنا فهذا يعني أنك
أغلقت الورقة. نظرت حولي. كان الغياب حاضرا نعم. لكنه لم يكن فراغا. كان أثرا. والأثر حين نفهمه يتحول إلى طريق.
خرجت إلى الشرفة. هواء البحر وصلني خفيفا. للمرة الأولى منذ الجنازة شعرت أن حلقي لا ينقبض. رفعت رأسي وقلت بصوت منخفض سمعتك.
وللمرة الأولى لم أشعر أنني وحدي.
اسما السيد
قصه 2
البيت الذي لم يسأل عني
لم أكن أتوقع أن يعود البيت هكذا.
هادئا أكثر مما يجب.
كأنه لم يلاحظ غيابي أصلا.
اسمي ليلى منصور.
في التاسعة والعشرين من عمري عدت إلى بيت العائلة بعد سبع سنوات كاملة من الرحيل لا لأنني اشتقت بل لأن أبي مات.
حين فتحت الباب لم تصدر الأرضية صوتها المعتاد. ربما لأنني خفيفة الآن أو لأن البيت تعلم أن لا ينتبه.
أمي كانت في المطبخ.
لم تلتفت فورا.
قالت بصوت محايد
وصلت.
لم تقل اشتقت.
لم تقل الحمد لله على السلامة.
كأن عودتي كانت بندا مؤجلا في جدول طويل.
وضعت حقيبتي قرب الحائط.
الحائط نفسه الذي كنت أعد شقوقه وأنا أبكي صامتة في السابعة عشرة حين قال لي أبي إن البنات لا يحتجن كل هذا الطموح.
في الصالة صورة أبي ما زالت معلقة.
الابتسامة نفسها.
السلطة نفسها.
جلست على الكرسي الخشبي.
الكرسي الذي لم يكن يسمح لي بالجلوس عليه وقت النقاشات.
الكبار فقط كان يقول.
الآن أنا هنا.
وهو في التراب.
أمي وضعت أمامي كوب شاي.
سألتني
ستبقين طويلا
أجبت بعد تردد
لا أعرف.
كانت هذه الحقيقة الوحيدة التي أملكها.
في الليل دخلت غرفتي القديمة.
السرير أضيق مما أذكر.
النافذة ما زالت تطل على الجدار نفسه.
حتى الحلم يبدو لم يجد طريقا للخروج.
فتحت الدرج السفلي.
وجدت دفاتري.
قصائد غير مكتملة.
رسائل لم ترسل.
وخطة قديمة للهروب.
ضحكت بهدوء.
كنت أظن
لكنني أدركت الآن أنني فقط غيرت المكان لا الأثر.
في اليوم التالي جاءت عمتي.
قالت بصوت مشفق
والدك كان قاسيا لكنه كان يحبك بطريقته.
ابتلعت الجملة كما تبتلع الأدوية المرة.
لا تشفي.
فقط تسكت الألم مؤقتا.
في المساء دخلت غرفة أبي.
كانت مرتبة على غير عادته.
كأن أمي حاولت أن تهذب غيابه.
في الدرج الأخير وجدت ظرفا.
ليس باسمي.
لكن بخطه.
فتحته.
رسالة واحدة.
ليلى
لو قرأت هذا فربما لم أستطع أن أقول لك ما يكفي.
كنت أخاف عليك من العالم فصنعت عالما أصغر مما تستحقين.
ظننت أن الحماية تعني السيطرة.
أخطأت.
إن سامحتني فافعلي ذلك من أجلك لا من أجلي.
أغلقت الرسالة.
لم أبك.
شعرت فقط بتعب عميق كأنني كنت أحمل هذا الرجل فوق ظهري طوال حياتي وها هو يترجل متأخرا.
في الصباح أخبرت أمي أنني سأغادر.
لم تحاول منعي.
قالت فقط
هل وجدتي ما كنت تبحثين عنه
فكرت قليلا ثم قلت
وجدت ما لم أعد أبحث عنه.
خرجت.
البيت بقي خلفي.
لم يلوح.
لم يسأل.
لكنني وللمرة الأولى لم ألتفت.
حكايات اسما ممنوعه من النسخ