حين رفض النعش أن يدخل حكايات اسما

لمحة نيوز

حين رفض النعش أن يدخل
مات أبي
وكانت روحه كما شعرت متعلقة بأختي الصغيرة ليلى التي لم تتم الثامنة بعد.
في يوم الغسل كانت ليلى تقف ملاصقة للجثمان كظل صغير لا يفارق صاحبه. لا تبكي ولا تتكلم ولا تسأل. فقط تنظر.
كانت في يدها عروستها القماشية القديمة نفس العروسة التي اشتراها لها أبي يوم أكملت الثالثة. عروسة باهتت ألوانها من كثرة العناق لكنها لم تفقد قيمتها عند ليلى لأنها كانت هدية أبي التي لا تستبدل.
وحين جاء وقت نقل النعش إلى المسجد للصلاة عليه قلنا لأنفسنا إن علينا إبعادها قليلا. ليس قسوة بل خوفا عليها من صدمة المشهد ومن ثقل الزحام ومن ألسنة الناس.
اقتربت أمي ثم خالتي وحاولتا أن تقودا ليلى نحو النساء.
قالت خالتي بصوت حنون
تعالي يا حبيبتي صلي هنا وبابا هيدخل الجامع.
لم تقاوم ليلى. لم تصرخ. لم تشد يد أحد.
تحركت خطوة ثم وقفت كأن شيئا داخلها شدها من الخلف.
لكننا بعناد أعمى أكملنا دونها.
حمل الرجال النعش وانطلقوا به نحو باب المسجد.
في البداية سار كل شيء طبيعيا ثم حدث ما لم أفهمه حتى هذه اللحظة.
كلما اقتربوا من الباب اضطربت الخطوات.
مرة انحرف النعش قليلا كأنه يميل عن قصد.
مرة تعثر أحد الحاملين وكاد يسقط.
ومرة ثالثة توقفوا عند العتبة كأن الهواء صار حائطا.
همهمات

بدأت تعلو
استغفر الله في إيه
يمكن الحمل تقيل
يا جماعة خدوا بالكم!
الذي زاد الطين غرابة أن الباب كان مفتوحا من قبل وصولنا بساعة ومع ذلك بدا وكأنه ضيق فجأة أو كأن النعش لا يريد عبوره.
هنا تحرك الإمام الذي أشرف على الغسل.
كان رجلا كبيرا في السن له وجه مطمئن وصوت لا يعلو إلا للضرورة.
رفع يده وأمرهم بالتوقف.
ثم صمت دقائق ينظر في وجوهنا كأنه يفتش عن شيء ناقص.
وفجأة هتف بصوت سمعه الجميع
استنوا البنت فين ليلى فين
تجمدت مكاني.
شعرت بسهم صغير من الذنب يطعن صدري.
التفت فوجدت ليلى واقفة بعيدا عند طرف الساحة حضنت عروستها بقوة وتحدق في النعش دون دمعة واحدة.
كان وجهها شاحبا لكن عينيها كان فيهما شيء أكبر من عمرها. شيء يشبه العتاب أو الفهم الذي لا يليق بطفلة.
وفي اللحظة التي رأت فيها محاولتنا إدخال النعش دونها صرخت.
لم يكن بكاء عاديا.
كانت صرخة وجع مكتوم كأن قلبها انفجر فجأة بعد ساعات من الصمت.
ركضت نحو النعش وانطلقت خلفها أيد كثيرة لتمنعها خوفا عليها.
لكن الإمام زجرهم
سيبوها تعالي يا ليلى.
اقتربت ليلى ومدت يدها الصغيرة إلى الخشب.
أمسكت به كما يمسك طفل بابا يخاف أن يغلق إلى الأبد.
قالت بصوت مهتز لكنه واضح حد الصدمة
ما تمشوش هو مستنيني.
ساد صمت غريب.
توقفت الهمسات.
حتى الأطفال سكتوا.
ثم فعلت ليلى شيئا لن أنساه ما حييت
رفعت عروستها إلى صدرها وقبلت رأسها القماشي ثم وضعتها برفق فوق النعش كما لو أنها تقدم لأبي شيئا يعرفه.
وهمست بكلمات لم يلتقطها أكثر الناس.
أنا وحدي كنت قريبا بما يكفي لأسمع
بابا أنا جيت. ما تخافش.
في تلك اللحظة تحرك الرجال مرة أخرى.
لا تعثر.
لا ميلان.
لا تردد عند العتبة.
دخل النعش إلى المسجد بسهولة لا تصدق كأن كل ما حدث كان انتظارا لطفلة تمسك عروستها.
داخل المسجد
دخلت ليلى خلف النعش بخطوات صغيرة.
لم تتشبث بأحد. لم تطلب حضنا. لم تسأل لماذا يموت الناس.
كانت فقط تمشي وعيناها مسمرتان على الخشب.
جلسنا للصلاة ووقفت الصفوف.
وحين كبر الإمام للصلاة على أبي كانت ليلى في الصف الأول مع النساء لكن جسدها كان مائلا نحو النعش كأنها تريد أن تقرب المسافة بينهما بالنية.
بعد التسليم بدأ الناس يخرجون.
وعندما حملوا النعش مرة أخرى متجهين إلى المقابر تبعتهم ليلى دون أن يجرؤ أحد على اعتراضها.
كنت أنا الأكبر بين إخوتي المسؤول أمام نفسي قبل أي شيء.
حاولت أن أبدو ثابتا لكن داخلي كان ينهار.
كل خطوة نحو المقابر كانت تغرز في صدري حقيقة واحدة لن يعود.
إلا أن ليلى كانت تسير كأنها تؤدي وعدا.
عند القبر
عند شفير القبر وقف الرجال
يتهيأون لإنزال الجثمان.
ازدحم الناس وتداخلت الأصوات دعاء بكاء تسبيح وأحيانا كلمات تعزية تخرج بلا معنى من فرط التكرار.
ليلى تقدمت حتى صارت قرب الحفرة.
كان المكان أكبر من جسدها وأعمق من قدرتها على الفهم ومع ذلك لم تتراجع.
مدت يدها نحو النعش ثانية وكأنها تقول له أنا هنا.
ثم التفتت فجأة إلى زوجة أبي ريم.
ريم لم تكن أمي. كانت زوجته الثانية.
امرأة هادئة في العادة قليلة الكلام تحفظ نفسها داخل إطار بارد من الاحترام.
لم تكن قاسية معنا علنا لكنها كانت بعيدة. بعيدة جدا.
حين التقت عينا ريم بعيني ليلى حدث شيء غريب.
تغير لون ريم.
ارتعشت شفتاها كما لو أن سؤالا غير منطوق ضربها في القلب.
أما ليلى فقالت بصوت صغير لكنه حاد
هو زعلان منك.
توقف المكان للحظة.
حتى دعاء بعض الناس خفت.
أنا شعرت ببرودة تسري في ظهري.
قلت لنفسي طفلة ماذا تعرف طفلة
لكن ليلى لم تتوقف.
أضافت وهي تنظر لريم بلا رمشة
ليه سيبتيه لوحده
اتسعت عينا ريم كأنها تلقت صفعة.
فتحت فمها لترد ثم لم يخرج شيء.
اقتربت بسرعة خائفا من أن تتحول كلمات ليلى إلى فضيحة أو فوضى.
جثوت أمام أختي وقلت لها بهمس مرتجف
ليلى مين قالك كده
نظرت إلي لأول مرة منذ الصباح نظرة طويلة.
ثم قالت
بابا.
الكلمة نزلت علي كحجر.
لم تكن ليلى تهذي.

لم تكن تضحك.
لم تكن تلعب.
كانت تقولها كما يقول طفل الحقيقة المباشرة التي لا يعرف كيف يزينها.

تم نسخ الرابط