حين رفض النعش أن يدخل حكايات اسما
السر الذي لم يره أحد
بعد الدفن عاد الناس واحدا تلو الآخر.
بقيت أنا وليلى وإخوتي وريم.
الكل متعب مكسور لكن شيئا ما ظل معلقا في الهواء كلمات ليلى.
حين تحركنا لنغادر توقفت ليلى عند القبر مرة أخيرة.
أخرجت عروستها من حضنها ونفضت عنها التراب الخفيف الذي علق بها ثم قالت بهدوء
دي معاه.
قلت بسرعة
لا يا ليلى دي لعبتك. دي أغلى حاجة عندك.
رفعت وجهها إلي ولأول مرة امتلأت عيناها بالدموع.
لم تسقط دمعة لكنها كانت على الحافة.
قالت
عشان مايبقاش لوحده.
وألقت العروسة في القبر قبل أن يسد تماما.
صرخت أمي حرام!
لكن ليلى لم تتحرك.
وقفت كأنها أنهت مهمة لا يعرفها غيرها.
في طريق العودة لم تتكلم.
كانت تمسك يدي بقوة ثم فجأة تركتها وذهبت إلى ريم.
أمسكت بيد ريم وقالت
قولي الحقيقة.
ريم اختنقت.
لم تفهم أمي ما يجري وظنت أن الطفلة تتهجم عليها بلا سبب.
أما أنا فكنت بين نارين عقل يقول هذه أوهام الحزن وحدس يقول هناك شيء فعلا.
في الليل انفجرت الحقيقة.
جلسنا في غرفة المعيشة والبيت هادئ كقبر جديد.
ليلى كانت على الأريكة تحتضن وسادة بدل عروستها وكأنها فقدت ذراعا.
ريم وقفت قرب الباب ترفض الجلوس.
يدها ترتعش وهي تضغط على طرف شالها.
قلت لها بحزم لم
ريم ليلى قالت كلام وأنا محتاج أفهم. أبويا مات إزاي بالضبط
لم تكن وفاة أبي مريبة في الأوراق.
قالوا أزمة قلبية مفاجئة.
كان يتعب منذ فترة نعم.
لكننا لم نر النهاية بهذه السرعة.
ريم أغمضت عينيها لحظة ثم قالت بصوت مكسور
أنا أنا غلطت.
أمي ارتفعت
غلطتي إيه!
ريم تراجعت خطوة ثم تكلمت
كان عنده وجع في صدره الليلة اللي قبل ما يموت صحا وقال إنه مش قادر يتنفس كويس. طلب مني الإسعاف وطلب الدوا اللي الدكتور كتبه.
صوتها انقطع ثم أكملت
أنا اتأخرت.
أمي شهقت
اتأخرتي ليه!
ريم أطرقت
كنت زعلانة. حصل بينا كلام قبلها بساعات. كان بيدافع عنكم وأنا حسيت إني غريبة في البيت. قلت لنفسي هيروق بعد شوية. هياخد نفسه. يمكن بيبالغ يمكن خوف.
أنا صرخت دون شعور
وبعدين!
قالت
لما رحت له كان وقع. حاولت أصحيه اتخضيت. اتجمدت. رنيت على الإسعاف بس كان فات.
سكتت الغرفة.
حتى أنفاسنا كانت مسموعة.
أمي انهارت في بكاء حاد
إنت تيه!
ريم رفعت رأسها بعينين ممتلئتين رعبا وندما
والله ما كان قصدي والله أنا مش قادرة أعيش بالذنب ده. بس ده اللي حصل.
هنا تحركت ليلى ببطء.
نزلت من على الأريكة ومشت نحو ريم.
وقفنا جميعا نتوقع أن ليلى ستصرخ أو تضربها أو
لكن ليلى رفعت يدها الصغيرة ولمست ذراع ريم برفق.
وقالت بصوت واهن
بابا قال مش عايز حد يكره حد.
ريم شهقت وبكت.
ليلى أضافت
هو زعلان آه. بس قالي قوليلهم ما يكسروش بعض.
أنا شعرت أن قلبي ينهار من الداخل ليس بسبب غموض خارق بل لأن تلك الطفلة حملت ثقلا أكبر من عمرها ثقل المصالحة وسط الخراب.
النهاية التي تشبه الحياة
في الأيام التالية ظلت ليلى على حال غريب.
لم تعد تلعب كما كانت.
لم تعد تطلب الحلوى.
وكانت تستيقظ قبل الفجر أحيانا ثم تجلس قرب النافذة صامتة.
أمي خافت عليها وأخذتها إلى طبيبة نفسية للأطفال.
قالت الطبيبة إن الحزن عند الأطفال قد يظهر في صورة صمت وتعلق وأحلام يقظة وتخيلات تمنح الطفل إحساسا بالأمان بعد فقد كبير.
وأن ليلى لأن أبي كان عالمها الأوسع ستبحث عنه في أي شكل.
كلام الطبيبة كان منطقيا ومريحا.
لكنني لا أنكر أن شيئا في قلبي ظل يقول ليلى لم تكن فقط تتخيل. كانت تسمع بطريقة لا يفهمها الكبار.
ريم لم تعد إلى البيت بعدها.
اختارت أن تبتعد ليس هربا من مواجهة الناس بل لأنها قالت
كل ركن هنا يذكرني بالحظة تأخرت فيها دقيقة واحدة وكانت عمرا كاملا.
قدمنا بلاغا للطبيب ليعيد النظر في التقارير
وفي النهاية بقي الأمر وفاة طبيعية مع تأخر في الاستجابة لا يرقى إلى جريمة مقصودة.
لكن الذنب كما تعلمت لا يحتاج حكم محكمة كي يعيش.
أما ليلى فمرت أسابيع طويلة قبل أن تبتسم.
وفي إحدى الليالي كنت أرتب أغراض أبي.
وجدت في درج قديم كراسة صغيرة فيها ملاحظات بخط أبي.
وفي صفحة أخيرة مكتوبة قبل أيام من موته قرأت
ليلى
لو غبت يوما لا تتركوها وحدها.
هي ليست قوية كما تبدو حين تصمت.
جلست على الأرض وبكيت.
بكيت لأن أبي كان يرى ما لم نره.
وبكيت لأنني فهمت أخيرا كل ما فعلته ليلى في ذلك اليوم كان نداء واحدا لا تتركوني وحدي.
في اليوم التالي أخذت ليلى إلى محل ألعاب صغير وقلت لها
اختاري عروسة جديدة.
نظرت إلي طويلا ثم هزت رأسها
عروستي مع بابا.
سكت لحظة ثم قلت
طيب نجيب عروسة تانية مش بدلها بس تكون صاحبتك.
فكرت ثم قالت
بس نسميها أمان.
ضحكت وسط دموعي
أمان
قالت بهدوء
عشان بابا كان بيقول اللي بيحبك بيخليك في أمان.
ومن يومها بدأت ليلى تتكلم أكثر.
بدأت تحكي عن أبي دون أن تخنقها العبرة.
وبدأنا نحن واحدا تلو الآخر نرتب بداخلنا الفقد لا لننساه بل لنتعلم أن نعيش معه.
أما ذلك اليوم يوم رفض النعش دخول المسجد
فقد بقي في ذاكرة
أن الحب حين يكون صافيا
قد يجعل أصغر إنسان فينا يقود الكبار إلى الحقيقة.