تركها حاملا حكايات اسما
كان تامر يقف في قلب المشهد، يبتسم للكاميرات، يصافح المهنئين، يرفع كأسه مرة بعد أخرى، في الثامنة والثلاثين من عمره امتلك كل ما يُغري العالم، ثروة ضخمة، نفوذ واسع، إمبراطورية عقارية صاعدة، واسم يتردد في دوائر المال والسياسة، والآن زوجة جديدة من عائلة لا تقل قوة عن عائلته، زواج محسوب بدقة، صفقة اجتماعية لا تقل أهمية عن أي مشروع ضخم وقّع عقوده بيده.
كان من المفترض أن يكون هذا الزفاف تتويجًا للنصر، نهاية مثالية لقصة صعوده، وبداية صفحة أنيقة جديدة، لكنه حين رآها، سقطت كل الصفحات دفعة واحدة.
كانت تقف عند طرف القاعة، شبه مختبئة خلف عمود رخامي، تمسح إحدى الطاولات بحركات بطيئة متأنية، ترتدي زيًا أسود بسيطًا خاصًا بالعاملات، بلا أي زينة، بلا أي أثر للمرأة التي كانت يومًا زوجة رجل أعمال مشهور، شعرها مشدود إلى الخلف بإحكام كأنها لا تملك وقتًا لتلتفت إلى نفسها، وملامح وجهها أنحف مما يتذكر، شاحبة قليلًا، لكنها محتفظة بذلك الهدوء الذي لطالما أزعجه فيها.
وتحت المئزر القماشي، كانت بطنها المستديرة
تجمدت يد تامر في الهواء وهو يهم برفع الكأس، وفي لحظة واحدة تلاشت الموسيقى من أذنيه، خفتت الأصوات، وضاقت القاعة حتى لم يبق في عالمه سوى تلك المرأة، زوجته السابقة، التي تطلقت منه وهي حامل، والتي لم يسأل عنها بعدها يومًا، والتي أقنع نفسه طويلًا أنها تجاوزته كما تجاوزها.
شعر وكأن الأرض انسحبت من تحته فجأة، وكأن كل ما بناه خلال عامين قرر في لحظة واحدة أن ينهار من الداخل، طلاقهما كان وهو في ذروة طموحه وبروده وكبريائه، في تلك الفترة التي كان يرى فيها أي شيء لا يخدم صعوده عبئًا يجب التخلص منه، سهر متواصل، سفر لا ينتهي، صفقات تبتلع أيامه ولياليه، وكان يبرر غيابه الدائم بأن المستقبل ينتظر، وأن النجاح لا يرحم المترددين. حكايات اسما
أما هي فكانت تريد شيئًا آخر، شيئًا بسيطًا في نظره، قـ,ـاتلًا في نظرها، استقرارًا، عائلة، وقتًا حقيقيًا، كانت تريد أن تراه حاضرًا، لا مجرد اسم ينام بجوارها ويغيب بعقله وروحه، وحين
في الليلة التي حزمت فيها حقائبها، لم تصرخ، لم تبكِ، لم تتوسل، قالت جملة واحدة فقط بصوت هادئ أثار غضبه أكثر من أي عتاب: سيأتي يوم تدرك فيه ما فقدته، لكن سيكون الأوان قد فات، وقّع تامر أوراق الطلاق في اليوم التالي دون أن يلتفت خلفه، أقنع نفسه أنه تخلص من عبء، وأن الحياة ستصبح أخف.
والآن، ها هي أمامه. حكايات اسما
كان يراها تنحني قليلًا لتجمع الكؤوس الفارغة، تضع يدها لا إراديًا أسفل ظهرها، تتحرك بحذر غريزي تعرفه النساء الحوامل فقط، ذلك الحذر الذي لا يُكتسب بل يولد مع الخوف على ما في الداخل، لم يكن هناك مجال للخطأ، كانت في شهرها السابع على الأقل، والجنين الذي تحمله لم يعد احتمالًا، بل حقيقة كاملة الملامح. حكايات اسما
بدأ قلب تامر يخفق بعنف، وتزاحمت الأسئلة في رأسه على نحو أربكه، أسئلة خاف فجأة من الإجابة عنها، هل يعلم أحد؟ هل تعمل
تقدم خطوة دون وعي، ثم توقف، المدعوون يحيطون به من كل جانب، الأضواء مسلطة عليه، وعلى يساره كانت زوجته الجديدة مريم تضحك بسعادة، غير مدركة للعاصفة التي تعصف بصدره، تميل نحوه وتقول مبتسمة: مبروك علينا يا تامر، الليلة دي كانت حلم.
لم يرد. حكايات اسما السيد
كانت عيناه معلقتين بها وحدها، وهي في تلك اللحظة رفعت رأسها مرة أخرى، التقت عيناهما، هذه المرة أطول، نظرة صامتة خالية من العتاب، خالية من الرجاء، نظرة امرأة لم تعد تنتظر شيئًا، ثم أدارت وجهها ببساطة، ومضت تكمل عملها، كأن وجوده لا يعنيها.
وفي تلك اللحظة فقط، فهم تامر أن ما قالته يوم رحيلها لم يكن تهديدًا، بل نبوءة، وأنه أدرك فعلًا ما فقده، لكن في توقيت لم يعد يملك فيه أي حق في المطالبة بشيء.
أما ما لم يكن يعرفه بعد، فهو أن هذه الليلة لم تكن مجرد حفل زفاف، بل بداية حساب طويل، حساب لن يُغلق بسهولة، وأن الطفل الذي تحمله تلك المرأة لم يكن التفصيلة الوحيدة
تمت