جنازة زوجي حكايات اسما

لمحة نيوز

 

 

 

“في حاجة تانية… الحقيقة اللي عمري ما قلتها. دينا مش بنتي البيولوجية… أنا أخدتها من ملجأ وهي صغيرة… وكنت ناوي أقولكم في وقت مناسب… بس خفت… خفت تكبر وهي حاسة إنها مختلفة. يمكن غلطت… يمكن لو كانت عرفت الحقيقة بدري… كانت هتبقى إنسانة تانية.”

قلبي وقع.

كل حاجة بدأت تتربط.

تصرفاتها… قسوتها… الإحساس الدائم بالمقارنة.

كملت وأنا صوتي بيتهد:

“لو قريتي الكلام ده… يبقى أنا مش موجود. يا ريت ما تكرهيهاش… لأنها أكتر واحدة محتاجة رحمة. بس كمان ما تظلميش نفسك. خدي حقك… وعيشي.”

وقعت الورقة من إيدي.

أنا مش مصدقة.

المحامي قال بهدوء: “جدوك كان شايل الهم ده سنين… بس كان دايمًا بيقول إنك أقوى واحدة.”

خرجت من المكتب وأنا مش نفس البنت اللي دخلت.

الموضوع بقى أكبر من ورث… أكبر من خلاف.

ده بقى عن حقيقة… عن جرح قديم محدش كان شايفه.

رجعت البيت… لقيت دينا قاعدة على السلم قدام الباب.

واضح إنها مستنياني.

بصتلي وقالت: “أنا عارفة إنك روحتي للمحامي.”

سكتت شوية وبعدين قالت: “في حاجة اتقالت؟”

وقفت قدامها… قلبي بيتشد في اتجاهين… الغضب… والشفقة.

قلت بهدوء: “في كلام كتير.”

بصتلي بترقب وقالت: “قولي.”

كنت ممكن أجرحها… كنت ممكن أستخدم الحقيقة كسلاح… بس افتكرت كلام جدو.

“ما تكرهيهاش.”

خدت نفس وقلت: “جدو كان بيحبنا إحنا الاتنين… بس كل واحد فينا اختار طريق.”

دموعها

نزلت فجأة… كأنها كانت مستنياها من زمان.

قالت بصوت مكسور: “أنا حسيت طول عمري إني أقل… حتى لو محدش قال.”

قعدت جنبها لأول مرة من سنين… وسكتنا.

الصمت بينا كان مليان كلام.

قالت بعد شوية: “أنا غلطت… مش بس فيك… في نفسي.”

بصيت قدامي وقلت: “الإصلاح مش بالكلام.”

قالت بسرعة: “أنا مستعدة أبدأ من الأول.”

بصتلها… المرة دي بجد… مش كأخت… كإنسانة.

قلت: “ابدئي بنفسك الأول.”

قامت ببطء… وقالت: “ممكن يبقى في فرصة لينا؟”

سكت شوية… وبعدين قلت: “يمكن… بس مش دلوقتي.”

هزت راسها ومشيت.

فضلت قاعدة شوية… وبعدين دخلت البيت.

حطيت السلسلة حوالين رقبتي… وحسيت بدفء غريب… كأن جدو ح.ضني.

بصيت في المراية… وشفت نفسي بوضوح لأول مرة.

مش البنت اللي كانت بتسكت… ولا اللي بتتنازل.

بقيت حد تاني.

حد أقوى.

حد عارف قيمته.

ويمكن… دي كانت الوصية الحقيقية.

مرت أيام بعد اللي حصل… وكل يوم كان بيعدّي كأنه بيعيد ترتيب حاجة جوايا. البيت بقى أهدى… مش لأن مفيش صوت، لكن لأن الصراع اللي كان ساكن جوايا سكت أخيرًا.
بدأت أرتب حاجات جدو… هدومه، ورقه، ذكرياته. كل حاجة كنت بلمسها كانت بتحكي حكاية. صور قديمة لينا إحنا الاتنين… وأنا صغيرة وهو شايلني… بيضحك بنفس الضحكة اللي كانت بتطمني دايمًا.
وفي وسط الورق… لقيت كشكول قديم.
جلده متشقق شوية… بس واضح إنه كان مهم.
فتحته.
كان مذكرات جدو.
قعدت على الأرض وبدأت أقرأ… صفحة

ورا صفحة.
كان بيكتب عننا… عني وعن دينا… عن كل لحظة عدّت علينا.
“النهارده حفيدتي الصغيرة ضحكت لأول مرة بعد ما ماتوا أهلها… حسيت إن ربنا عوّضني بيها.”
“دينا بتتعصب بسرعة… بس جواها وجع كبير… مش عارف أداويه.”
“البنتين دول هم اللي مخلّيين للحياة معنى… بس خايف ييجي يوم ويبعدوا عن بعض.”
وقفت عند الجملة دي.
حسيت كأنه كان شايف المستقبل… أو خايف منه.
كملت.
“لو حصل ووقعوا… يا رب حد فيهم يمد إيده للتاني.”
قفلت الكشكول.
دموعي نزلت بصمت.
جدو كان نفسه حاجة واحدة بس… إننا نفضل مع بعض.
لكن الحقيقة كانت أعقد من كده.
عدّى أسبوع… والمحامي كلمني تاني.
قال إن في إجراءات نقل الملكية لازم أخلصها… وروحت.
كل حاجة كانت بتمشي بسهولة… لأن كل حاجة كانت واضحة في الوصية.
بس قبل ما أمشي… قال لي:
“في حاجة أخيرة… جدوك كان عامل حسابها.”
استغربت.
طلع ملف تاني… وقال:
“في جزء من الفلوس… متساب باسمك… لكن مش ليكي.”
بصيت له بعدم فهم.
قال: “جدوك مخصصه لمشروع خيري… وكتب إنك إنتي اللي تديريه.”
سكت لحظة وبعدين كمل:
“دار لرعاية الأطفال… بنفس اسمه.”
حسيت قلبي دق بقوة.
الأطفال.
زي دينا… زي اللي كانت عليه في يوم من الأيام.
رجعت البيت وأنا بفكر… هل أقدر؟ هل عندي القدرة أتحمل مسؤولية زي دي؟
وفي نفس الليلة… فتحت الكشكول تاني.
وقرأت آخر صفحة.
“يمكن ما عرفتش أصلّح كل حاجة… بس يمكن اللي بعدي يعرف.”
قفلت الكشكول… واتخذت قراري.

هعمل الدار.
مش بس عشان جدو… عشان كل طفل حس إنه لوحده.
بدأت أشتغل… إجراءات، تصاريح، تجهيز المكان.
الموضوع ما كانش سهل… تعب، ضغط، ناس بتعطّل… بس كل مرة كنت بتعب فيها، كنت بفتكر جدو… وأكمل.
وفي يوم… وأنا واقفة في المكان قبل الافتتاح بيوم… سمعت صوت ورايا.
“محتاجة مساعدة؟”
لفيت.
كانت دينا.
واقفة بهدوء… مش بنفس الثقة القديمة… لكن مش مكسورة زي قبل كده.
قالت: “سمعت عن المشروع… وجيت.”
سكتت شوية وبعدين قالت:
“أنا اشتغلت الفترة اللي فاتت… على نفسي… وروحت أزور الملجأ اللي كنت فيه وأنا صغيرة.”
بصيت لها… من غير كلام.
كملت: “فاهمت حاجات كتير… وفهمت أنا كنت ليه كده.”
قربت خطوة وقالت:
“أنا مش جاية آخد حاجة… أنا جاية أدي… لو تسمحي.”
الصمت طال بينا.
الماضي كان تقيل… مش حاجة تتصلح في يوم.
لكن برضه… كان في حاجة جديدة.
أمل… صغير… بس موجود.
قلت بهدوء:
“الشغل هنا صعب… ومفيش حد هيمشي بمزاجه.”
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت:
“مستعدة.”
بصيت لها شوية… وبعدين هزيت راسي:
“تمام… نبدأ.”
وفي اليوم اللي بعده… كان الافتتاح.
الدار اتفتحت… والأطفال دخلوا… ضحكهم ملأ المكان.
وقفت في النص… وبصيت حواليا.
دينا كانت بتساعد طفلة صغيرة… بتضحك لها.
والمكان… بقى فيه حياة.
رفعت عيني لفوق… وابتسمت.
“شوفت يا جدو؟”
يمكن ما بقيناش زي زمان… ويمكن الجرح لسه موجود… بس اتعلمنا نعيش بيه… ونحوّله لحاجة أحسن.
الحكاية ما انتهتش
عند الورث… ولا عند الخلاف.
انتهت عند اختيار.
اختيار إني أبقى إنسانة مختلفة.
واختيار إني أمد إيدي… حتى لو اتوجعت قبل كده.
ويمكن… دي كانت النهاية اللي جدو كان مستنيها.

تم نسخ الرابط