كان عليه أن ينقذ حياتهما أولًا مرت الدقائق كأنها ساعات حتى أخيرًا سمع صوت بكاء الطفل يملأ الغرفة للحظة توقف كل شيء بدا وكأن العالم كله صمت ليستمع إلى هذا الصوت نظر ياسين
إلى الطفل الذي رفعته الممرضة أمامه وكانت تلك اللحظة كفيلة بأن تهز كل يقينه ملامح الطفل كانت نسخة منه بشكل لا يقبل الشك نفس شكل العينين نفس الانحناءة الخفيفة في الأنف نفس كل شيء شعر بأن الأرض تميد تحته للحظة لكنه تماسك بسرعة وأكمل العملية حتى تأكد من استقرار حالة سلمى بعد انتهاء العملية وقف للحظة ينظر إلى الطفل الذي وضع في الحاضنة ثم إلى سلمى التي بدأت تستعيد وعيها تدريجيًا اقترب منها ببطء وكأن كل خطوة تثقلها ألف فكرة لم يعد ذلك الطبيب البارد الذي دخل الغرفة منذ دقائق كان هناك شيء آخر يتشكل داخله شيء لم يعهده منذ زمن طويل شعور بالذنب مختلط برغبة في الفهم قال بصوت خافت وهو ينظر إليها هذا الطفل نظرت إليه بعينين مرهقتين لكنها مليئة بقوة غريبة وقالت بوضوح لم أكذب عليك يومًا يا ياسين لكنه أنت لم تسمع لم يجد ما يقوله شعر أن كل الكلمات التي كان يمتلكها طوال حياته اختفت فجأة أمام هذه الحقيقة البسيطة التي كان يمكن أن تغير
كل شيء لو أنه فقط استمع إليها في الوقت المناسب جلس على الكرسي بجانبها لأول مرة منذ سنوات دون أن يفكر في مظهره أو مكانته أو غروره فقط جلس كإنسان يحاول أن يفهم كيف وصل إلى هذه اللحظة تذكر كل كلمة جارحة قالها لها كل نظرة شك كل قرار متسرع اتخذه دون دليل وشعر أن تلك الصورة المثالية التي بناها لنفسه بدأت تتشقق أمام عينيه قال بصوت مكسور لم أعرف نظرت إليه وقالت بهدوء لأنك لم تحاول أن تعرف ساد صمت طويل بينهما لم يقطعه سوى صوت الأجهزة الطبية المنتظمة وكأنها تذكره بأن الحياة ما زالت مستمرة رغم كل شيء بعد دقائق وقف ياسين ببطء وتوجه نحو الحاضنة نظر إلى الطفل مرة أخرى وهذه المرة لم يكن ينظر كطبيب يراقب حالة بل كأب يرى جزءًا منه لأول مرة مد يده ببطء ولمس يد الطفل الصغيرة التي التفت حول إصبعه دون وعي في تلك اللحظة شعر بشيء لم يشعر به من قبل مسؤولية حقيقية ليست مبنية على سلطة أو نجاح أو مال بل على روح صغيرة تعتمد عليه دون أن تعرف من هو عاد إلى سلمى وقال بنبرة مختلفة تمامًا عما كانت عليه من قبل أنا أخطأت نظرت إليه بصمت وكأنها تنتظر أن يكمل لكنه لم يعرف كيف يكمل لم يكن اعتذاره كافيًا لما حدث ولم يكن
لديه ما يقدمه ليصلح كل ما كسره لكنه لأول مرة في حياته لم يحاول تبرير نفسه أو الهروب من خطئه فقط اعترف به جلس بجانبها مرة أخرى وقال لن أطلب منك أن تسامحيني الآن لكنني لن أهرب هذه المرة سأنهي ما بدأته حتى لو كلفني ذلك كل شيء كانت سلمى تنظر إليه بعينين تقرآن ما بين الكلمات لم تكن تثق بسهولة بعد ما حدث لكنها رأت في صوته صدقًا لم تسمعه منه من قبل ربما لأن غروره لم يعد موجودًا بنفس القوة وربما لأن الحقيقة أصبحت واضحة بينهما بشكل لا يمكن إنكاره مر الوقت ببطء بينما ظل ياسين في الغرفة لم يغادر كما كان يفعل دائمًا بعد انتهاء عمله لم يعد يرى المرضى أرقامًا ولا الحالات مجرد ملفات أصبح يرى الوجوه والقصص خلف كل حالة وربما كانت تلك أول مرة يدرك فيها أن الطب ليس مجرد مهارة بل إنسانية أيضًا مع مرور الأيام بدأ ياسين يزور سلمى وطفلهما بشكل يومي لم يكن يحاول فرض نفسه بل كان يحاول أن يكون موجودًا فقط أن يتعلم كيف يكون أبًا قبل أن يطلب أن يكون زوجًا مرة أخرى كان يحمل الطفل بحذر وكأنه يخشى أن يكسره بينما كانت عيناه تلمعان بشيء جديد لم يعرفه من قبل مزيج من الحب والخوف والأمل أما سلمى فكانت تراقبه بصمت ترى
التغير الذي يحدث فيه تدريجيًا لم يكن سريعًا ولا سهلًا لكنه كان حقيقيًا في أحد الأيام بينما كان يجلس بجانبها قالت له هل تعرف ما هو أصعب شيء لم يجبها فتابعت ليس الألم ولا الخيانة بل أن تشعر أنك لم تكن تستحق حتى أن يتم الاستماع إليك شعر بكلماتها كط .عنة لكنه لم يهرب منها هذه المرة قال بهدوء أعرف وربما لن أستطيع إصلاح ذلك بالكامل لكنني سأحاول طوال حياتي أن أعوضك عن تلك اللحظة التي خذلتك فيها لم ترد عليه لكنها لم تبتعد أيضًا ومع مرور الوقت بدأت المسافة بينهما تقل تدريجيًا ليس لأن الماضي اختفى بل لأن الحاضر بدأ يبنى بطريقة مختلفة أكثر صدقًا وأقل غرورًا أما ياسين فقد تغيرت حياته بالكامل لم يعد ذلك الطبيب الذي يستمتع بسلطته على الآخرين بل أصبح إنسانًا يفهم قيمة كل قرار يتخذه وكل كلمة يقولها أدرك أن القوة الحقيقية ليست في التحكم بالناس بل في القدرة على الاعتراف بالخطأ وتصحيحه مهما كان الثمن وفي يوم هادئ بينما كان يحمل
ابنه وينظر إليه بابتسامة خفيفة أدرك أن تلك اللحظة في غرفة الولادة لم تكن مجرد صدفة بل كانت الفرصة التي أعيدت إليه ليواجه نفسه ويعيد بناء حياته من جديد بطريقة لم يكن يتخيلها يومًا