العـزر الشـرعى
وشك متغير ليه؟ بصيتلها، وافتكرت كلام أبويا. عايز تعملها جلطة؟ ساعتها فهمت إن سكوتي مش هيحمي أمي. بالعكس سكوتي ممكن يكون أكتر حاجة تأذيها. قربت منها وقلت ماما إنتِ عارفة إن بابا بقاله سنتين بينام لوحده؟ ابتسمت ابتسامة غريبة. وقالت عارفة. اتصدمت. وعارفة إن فيه واحدة بتيجي البيت بالليل؟
إيدها وقفت في نص الحركة. وسكتت. قلت ماما إنتِ عارفة؟ فضلت ساكتة ثواني، وبعدها قالت أنا مش عمي. يعني إيه؟ بصتلي في عيني وقالت أنا شوفتها. قلبي وقع. إمتى؟ من شهور. وسكتي ليه؟ ضحكت ضحكة مكسورة. عشان أبوك قالي إن لو فتحت بوقي، هيحرمني من كل حاجة وهيطلعني من البيت اللي أنا عشت فيه عمري كله. سألتها وإنتِ صدقتيه؟ قالت لأ.
وبعدين مدت إيدها تحت المخدة وطلعت ظرف بني. عشان كده جمعت الدليل. فتحت الظرف. لقيت صور. مواعيد. إيصالات. وأوراق تحويلات مالية. لكن وسطهم كانت فيه ورقة خلتني أسكت تمامًا. عقد بيع جزء من أرض العيلة. والبائع؟ أبويا. والمشتري؟ اسم الست الأرملة اللي شفتها في أوضته. بصيت لأمي. هو باع لها أرض؟ هزت راسها. مش بس كده. طلعت ورقة تانية. الأرض دي أصلاً مش ملكه لوحده. بدأت أفهم الصورة.
أبويا كان بيبيع أجزاء من أملاك العيلة من غير علم أمي، وبيحول الفلوس لحسابات مختلفة. لكن ليه؟ وليه الست دي بالذات؟ قبل ما أسأل، سمعنا صوت باب البيت بيتفتح. أبويا دخل. وأول ما شاف الظرف في إيدي وشه اتغير.
سكت. قلت الأرض دي اتباعت ليه؟ ما ردش. أمي قامت لأول مرة قدامه وقالت قول له الحقيقة. بص لها بحدة. إنتِ عايزة تفضحيني؟ ردت بهدوء أنا عايزة أعرف الفلوس راحت فين. سكت أبويا. وبعدين قال جملة محدش فينا توقعها الست دي مش عشيقتي. أنا وأمي بصينا لبعض. ضحكت بسخرية. أمال مين؟ قال أختي. اتجمدت. أختك؟! أبويا بص للأرض. أختي من أمي.
وبدأ يحكي. قبل ما أبويا يتجوز أمي بسنين، كان ليه أخت أصغر منه. أبوهم طردها من البيت وهي صغيرة بسبب خلاف عائلي، واتقطعت أخبارها تمامًا. وبعد سنين طويلة رجعت للبلد أرملة ومعاها بنتين. لكنها كانت غارقة في الديون. أبويا بدأ يساعدها. في البداية بمبالغ صغيرة. وبعدين باع جزء من الأرض عشان يسدد ديونها. لكن كان فيه سر تاني. قلت طب ليه كنت بتقابلها بالليل؟ قال لأنها كانت خايفة تظهر قدام العيلة.
وليه خفت تقولنا؟ سكت. أمي قالت عشان كان عارف إننا هنرفض. هز أبويا راسه. لكن قبل ما أكمل كلامي، دخل عمي فجأة. وكان ماسك ظرف أبيض. قال خلاص يا أخويا كفاية. أبويا بصله بغضب. إنت مالك؟ عمي حط الظرف على الترابيزة. دي آخر دفعة من فلوسك. أبويا اتصدم. عمي كمل بعت أرضي. أنا صرخت عملت إيه؟! قال سددت الدين. وبص لأبويا من النهارده مش هتقدر تهددني بحاجة.
لأول مرة، شفت أبويا ساكت. لكن المفاجأة الحقيقية كانت لسه جاية. الست الأرملة دخلت البيت. ولما شافت أمي، دموعها نزلت. وقالت أنا آسفة. أمي بصتلها طويلًا. وبعدين سألتها إنتِ أخت جوزي؟ هزت راسها. آه. سكتت أمي لحظة. وبعدين قالت طب ليه كل السنين دي محدش عرف؟ الست بصت لأبويا. لأنه وعدني إن أمي وأختي مش هيعرفوا إني رجعت. أمي سألت ليه؟ ردت عشان كان فاكر إنهم هيرفضوني.
أبويا أخيرًا انهار. وقعد على الكرسي. وقال أنا غلطت. لكن أمي ردت غلطك مش إنك ساعدتها. وسكتت لحظة. غلطك إنك خبيت، وكدبت، وخوفت الناس اللي حواليك علشان تحمي السر. الكلام ده وقع عليه كأنه ضربة. وفي نفس الليلة، أبويا اعترف بكل حاجة. باع جزء من الأرض. استلف مبالغ. وخلى عمي يسكت بالدين. وحتى حاول يخليني أنا أسكت عن طريق خوفي على أمي. أما موضوع الباب؟ كان فيه ممر جانبي قديم بين المخزن وأوضة أبويا، محدش تقريبًا كان بيستخدمه.
وعشان كده كانت الست بتدخل وتخرج من غير ما حد يشوفها. أما اللي شفته ليلة فرحي فماكانتش مراتي. كانت هي. نفس الطول تقريبًا، نفس لون الشعر، وفي إضاءة الطرقة الضعيفة افتكرتها مراتي. أما الأنين اللي سمعته؟ ماكانش زي ما تخيلت. كانت بتعيط وهي بتحاول تقنع أبويا إنها مش عايزة تفضل مستخبية أكتر من كده. تاني يوم، أنا رحت لمراتي وحكيتلها كل حاجة. فضلت ساكتة شوية. وبعدين قالت يعني كل اللي حصل ده كان بسبب إنك
ضحكت لأول مرة من يوم الفرح. وقلت أنا كنت قربت أخرب حياتي وحياة أمي بسبب خمس دقايق. قالت والمهم إنك ما حكمتش قبل ما تعرف الحقيقة. لكن الحقيقة الأصعب كانت تخص أبويا. بعد أسبوع، أمي طلبت منه ينقل كل الحسابات والأملاك اللي باسمها رسميًا، ويكشف كل الديون والمعاملات قدام العيلة. وأبويا وافق. أما عمي، فسدد دينه بالكامل ورفض ياخد أي فلوس تاني منه. والست الأرملة؟ أمي سامحتها. مش لأنها نسيت اللي حصل
لكن لأنها فهمت إن أكبر شخص غلط في القصة كلها كان أبويا، لأنه حول السر والخوف والكذب إلى طريقة يعيش بيها. بعد شهرين، حصلت حاجة محدش كان متوقعها. أبويا جمع العيلة كلها وقال أنا طول عمري كنت فاكر إن الراجل اللي بيحمي عيلته هو اللي يخبي المشاكل. بص لأمي. طلعت غلطان. وبص لينا. اللي بيحمي عيلته بجد هو اللي يواجه الحقيقة قبل ما تكبر. ومن يومها، باب أوضة أبويا القديم ما بقاش مقفول.
اتفتح. واتشال منه القفل نهائيًا. أما أنا فكل ما أفتكر الساعة 1243، أفتكر إن خمس دقايق من الظنون كانت ممكن تهد بيت كامل. وعرفت وقتها إن أخطر الأسرار مش دايمًا بتكون اللي بنخاف نكتشفها أحيانًا أخطر سر هو الحقيقة اللي بنبني عليها حكمنا قبل ما نسمعها. والحكاية انتهت لكن الجملة اللي قالهالي عمي بعدها عمرها ما خرجت من دماغي يا ابني، في العائلات الباب المقفول مش دايمًا بيخبي خيانة، ساعات بيخبي وجع محدش