مرض زوجتي حكايات زهرة الربيع
على سحر، وأعرف أكتر عن حياتها، وأتأكد إنها فعلًا بخير.
ولما وصلت، لقيتها بتستقبل الأطفال على الباب، وبتنزل لمستوى كل طفل علشان تسلم
عليه.
كل يوم كنت أشوف فيها حاجة جديدة.
مرة لقيتها بتساعد طفل صغير خاېف من أمه وهي ماشية، ومرة شفتها قاعدة مع طفلة بټعيط علشان وقعت منها لعبتها، ومرة سمعتها بتضحك من قلبها مع زميلاتها.
كانت رجعت للحياة فعلًا.
وأنا كنت كل يوم بحس إني بخسرها من جديد.
بدأت أستنى الصبح علشان أشوفها، وبقيت أختلق أي سبب علشان أتأخر شوية وأنا باخد ياسين.
وهي كانت بتعاملني بنفس الهدوء، تسألني عن أحوالي، وتطمن على ياسين، وبعدها ترجع لشغلها.
ولا مرة سألتني إذا كنت ندمان، ولا مرة فتحت سيرة جوازنا، ولا حتى لمحت إنها لسه فاكراني.
وده كان بېقتلني أكتر.
لحد ما في يوم، وأنا راجع من الشغل، وقفت قدام محل دهب.
فضلت أتفرج على الخواتم اللي في الفاترينة، لحد ما اخترت خاتم رقيق على قد إمكانياتي.
اشتريته وأنا حاسس إني رجعت شاب عنده عشرين سنة ورايح يصالح حبيبته بعد أول خناقة بينهم.
قلت لنفسي إني هروح لسحر، وهقول لها إني غلطت، وإن اللي حصل زمان كان ضعف وأنانية، وإنها لو وافقت نبدأ من جديد، أنا مستعد أصلح كل حاجة.
كنت عارف إني جرحتها، لكن كنت واهم إن الحب القديم ممكن يرجع كل حاجة زي الأول.
رجعت البيت وخبيت الخاتم، واستنيت لما ياسين ينام، وبعدها قعدت مع مراتي.
قلت لها
عايز أتكلم معاكي في موضوع مهم.
بصتلي وقالت
خير؟
أخدت نفس طويل وقلت
أنا بفكر أتجوز سحر.
في البداية افتكرت إني بهزر، لكن لما لقتني جاد، قامت من مكانها وهي بتزعق
إيه؟! إنت بتقول إيه يا مصطفى؟! إنت عايز تتجوزها عليا؟ هو أنا مش مكفياك؟
قلت لها
اهدي واسمعيني، أنا مش عايز أظلمك، بس أنا اكتشفت إني لسه بحبها.
ضحكت بسخرية وقالت
لسه بتحبها؟ طب ما إنت اللي طلقتها بإيدك! إنت اللي سبتها وهي بټموت، ودلوقتي لما خفت وبقت حلوة رجعت تفتكر إنك بتحبها؟
كلامها نزل عليا زي السکينة، لأني كنت عارف إنها بتقول الحقيقة.
حاولت أبرر لنفسي وقلت
أنا غلطت، وكل بني آدم بيغلط. أنا عايز أصلح غلطي.
صړخت في وشي
ما أنا سبق واتجوزتك عليها، وكنت فاكرة إنك اخترتني وعايز تعيش معايا! دلوقتي عايز ترجعها وتعيش معانا إحنا الاتنين؟
قلت لها ببرود
ماكنتش متوقعه من نفسي
ما أنا سبق واتجوزتك عليها.
بصتلي پصدمة، كأنها أول مرة تشوفني على حقيقتي.
قالت
أنا مش زيها يا مصطفى، ومش هقبل أبقى واحدة من اتنين في حياتك. لو هي أهم مني، روح لها.
دخلت الأوضة، ولمت شوية هدوم، وبعدها خرجت وهي بتقول
أنا رايحة عند أهلي، ولما تعرف إنت عايز إيه ابقى كلمني.
الباب اتقفل وراها، وأنا فضلت واقف مكاني.
الغريب إني ماجريتش وراها، وماحاولتش أمنعها.
كل اللي كان في بالي إني أخيرًا بقيت فاضي أروح لسحر وأتكلم معاها.
تاني يوم، صحيت بدري، لبست أحسن قميص عندي، وحطيت علبة الخاتم في جيبي.
خدت ياسين للحضانة، وكنت طول الطريق برسم في دماغي الكلام اللي هقوله لها.
أول ما وصلت، سألت عليها، فقالت لي إحدى المشرفات إنها في الملعب الخلفي مع دكتور جاي يزور الحضانة.
مشيت ناحية الملعب، وأنا حاسس إن قلبي هيطلع من مكانه.
وهناك شفتها.
كانت واقفة جنب شاب طويل، لابس قميص أنيق وبنطلون غامق، وفي إيده مفاتيح عربية واضحة إنها جديدة وغالية.
كان بيتكلم معاها، وهي بتضحك له براحة واطمئنان، نفس الضحكة اللي فضلت سنين أفتكرها وأحلم إنها ترجع لي.
قربت منهم، ولما شافتني قالت بابتسامة
أهلًا يا مصطفى، إنت جيت بدري النهارده.
وبعدين بصت للشاب وقالت
أعرفك، ده مصطفى والد ياسين، اللي حكيتلك عنه.
مد الشاب إيده وسلم عليا وقال
أهلًا بحضرتك، أنا الدكتور عمر، خطيب سحر.
حسيت إن حد ضړبني على رأسي.
خطيبها؟!
بصيت لسحر، مستني أشوف أي علامة تردد أو إحراج على وشها، لكنها كانت هادية جدًا.
قلت بصوت متقطع
خطيبك؟!
ابتسمت وقالت
أيوه، الحمد لله. عمر دكتور، واتعرفنا من فترة عن طريق واحدة صاحبتي. كان بيتابع حالة والدتها، وبعدها اتقابلنا كذا مرة، وربنا كتب لنا نصيب.
الدكتور عمر ابتسم وقال
سحر إنسانة محترمة جدًا، وأنا محظوظ إني عرفتها. ربنا يتمم لنا على خير.
وبعدين رن موبايله، فاستأذن منها علشان يرد على مكالمة تخص شغله.
سحر بصتلي وقالت
خير يا مصطفى؟ إنت وشك اتغير.
كنت عايز أسألها ألف سؤال.
إمتى؟ وإزاي؟ وليه ماعرفتش؟ وهل بتحبيه فعلًا؟ وهل نسيتي كل اللي كان بينا؟
لكن السؤال الوحيد اللي خرج من لساني كان
إنتي... إنتي مبسوطة معاه؟
بصتلي باستغراب بسيط، وبعدها قالت
الحمد لله، أنا
مرتاحة ومبسوطة. عمر إنسان طيب، وبيحترمني، وبيقدر ظروفي، وبيشجعني إني أكمل حياتي وأعمل الحاجة اللي بحبها.
سكتت لحظة، وبعدين كملت
وأنا اتعلمت إن الحياة مهما وجعتنا، لازم ندي لنفسنا فرصة نعيش من جديد.
حسيت إن الكلام ده موجه ليا، رغم إنها ماقالتش أي كلمة تلومني بيها.
حاولت أتكلم، لكن عمر رجع ووقف جنبها، ومد إيده لها بمفتاح العربية وقال
يلا يا سحر، العربية بره. هنتأخر على ميعاد الدكتور.
هزت راسها، وبعدين بصتلي وقالت
عن إذنك يا مصطفى، لازم أمشي. سلّم لي على ياسين، وخلي بالك منه.
قالت الجملة الأخيرة بحنان، وبعدها مشت جنب خطيبها.
فتح لها باب العربية، وهي ركبت، وهو لف وركب مكانه، وبعد لحظات اتحركوا من قدامي.
فضلت واقف في مكاني، عيني معلقة بالعربية لحد ما اختفت من آخر الشارع.
طلعت علبة الخاتم من جيبي، وفتحتها.
الخاتم كان بيلمع في الشمس، وأنا ببص له بحسرة عمري كله.
كنت جاي