﴿حكــايات القدر احلى﴾. حكايات اسما السيد
المحتويات
لها حلول لا كحزن بلا نهاية وكانت تشعر أن قلبها يتمسك بكل كلمة كما يتمسك الغريق بخشبة
مرت أيام قليلة وهاشم يتحرك بسرعة مذهلة بين مكاتب ومحامين واتصالات ورجال يعرفون كيف يصلون إلى المعلومات دون ضوضاء ورولا بين كل خطوة وأخرى تخاف أن يكون الأمر حلما وأن تستيقظ فجأة لتجد نفسها وحدها من جديد لكن كل يوم كان يأتيها اتصال من مكتب المحامي يقول لها إنهم وجدوا خيطا جديدا وأن سليم يملك شقة في مدينة جديدة لم تكن تعرفها وأنه نقل أوراق مدرسة لطفل صغير باسم يوسف إلى حضانة خاصة وأن هذا الاسم تطابق مع الاسم الكامل للطفل وأن عمره يطابق عمر ابنها وأن هناك احتمالا قويا أن يكون هو
في تلك اللحظة لم تتمالك رولا نفسها جلست على الأرض وبكت كأنها تبكي للمرة الأولى ثم وقفت فجأة وكأن الدم عاد إلى عروقها وقالت له هاشم أرجوك خذني إليه الآن فقال بهدوء لا استعجال سنذهب لكننا سنذهب بطريقة تحفظ حقك ولا تعطيه فرصة للهروب سنذهب ومعنا أمر رسمي ومعنا شهود ومعنا جهة تنفيذية لأنك إن ذهبت وحدك قد يختفي مرة أخرى
ذهبت معه في سيارة هادئة إلى الحي الذي قالوا إنه يسكنه سليم كانت مدينة جديدة شوارعها
وقفوا أمام الباب وطرق موظف التنفيذ طرقات رسمية ثم سمعوا حركة في الداخل ثم فتح الباب سليم بوجه متفاجئ حاول أن يتماسك لكنه لم يستطع حين رأى هاشم لأنه يعرفه ويعرف أن الوقوف أمامه ليس ك الوقوف أمام امرأة ضعيفة ثم نظر إلى رولا وكأن وجهها شبح قد خرج من الماضي وتغيرت ملامحه بين لحظة وأخرى
قال سليم وهو يحاول أن يضحك ضحكة مصطنعة أهلا يا هاشم باشا خير قال هاشم ببرود أريد الطفل ثم قال موظف التنفيذ بصوت واضح معنا أمر بالتحقق من وجود الطفل وتسليمه لأمه وفق الإجراءات لأن هناك بلاغا وخطفا واحتجازا
صرخ سليم أن هذا ابنه وأنها أم غير مستقرة وأنها تركت البلد وهربت وأنها لا تصلح ثم حاول أن يغلق الباب لكن رجال التنفيذ منعوه ودخلوا وفي الداخل خرجت امرأة كبيرة في السن من غرفة جانبية كانت والدته تحمل الطفل على ذراعها
سقطت رولا على ركبتيها وخرج صوتها مخنوقا يوسف يا روحي ثم مدت ذراعيها دون أن تلمسه في البداية كأنها تخاف أن يكون وهما ثم حين اقترب الطفل منها أكثر انكسر كل شيء وأخذته بين ذراعيها بقوة والطفل بدأ يبكي ثم سكت فجأة كما سكت طفل هاشم في الطائرة وكأن صدر الأم هو المكان الوحيد الذي يعرف كيف يطفئ الرعب
صرخت أم سليم أن هذا ظلم وأن الولد لن يخرج من بيتها وقال سليم إنهم لا يملكون حقا لكن موظف التنفيذ كان صارما وبدأ يشرح أن الخطف جريمة وأن حرمان الأم جريمة وأن هناك قانونا وأن كل شيء سيحسم في المحكمة إن أرادوا الاعتراض لكن الطفل الآن يعود لأنه انتزع منها دون وجه حق
حاول سليم أن يقترب من رولا وأن يمسك الطفل منها لكن هاشم تقدم خطوة واحدة فقط كانت كافية ليجمد سليم مكانه وقال له بصوت منخفض لكنه حاسم إن لم تتوقف الآن ستخسر أكثر مما تتخيل ثم قال له إن العالم الذي كنت تستقوي فيه على امرأة انتهى الآن لأنك وضعت يدك
خرجت رولا من المكان وهي تحمل يوسف بين ذراعيها كأنها تحمل الحياة كلها وهاشم يمشي إلى جوارها صامتا والهواء في الخارج كان مختلفا كأنه صار أخف ثم حين دخلت السيارة وضعت رأسها على كتف طفلها وشمت رائحته وبكت بكاء طويلا ليس بكاء ضعف بل بكاء عودة
مرت أسابيع من الإجراءات القانونية والضغط والتهديدات ومحاولات سليم أن يلتف على القرار لكن وجود هاشم جعل كل محاولة تنكسر لأن هاشم لم يكن يبحث عن بطولة بل عن عدل وكان يعرف كيف يجعل الطريق مستقيما بلا ثغرات ومع الوقت حصلت رولا على قرار واضح بحضانة يوسف واستردت أوراقه وأغلقوا الباب الذي حاول سليم أن يفتح منه الهروب
أما هاشم فكان يعود إلى بيته وفي قلبه سؤال أكبر من الطفل ومن القضية سؤال عن حياته هو وعن زوجته الدبلوماسية التي تركته بلا تفسير وعن طفله الذي كان يصرخ في السماء حتى هدأ الأمومة ليست منصبا ولا سيرة ذاتية بل روح
وفي يوم جلس هاشم مع رولا في حديقة صغيرة بينما يوسف يلعب وطفل هاشم يلعب على بعد خطوات وقال لها هل تعلمين أنك لم تعيدي لي هدوء طفلي فقط بل عديت لي هدوئي أنا
متابعة القراءة