﴿حكــايات القدر احلى﴾. حكايات اسما السيد

لمحة نيوز

لحظة وقال أنا كنت أظن أنني أملك كل شيء لكنني اكتشفت أنني لا أعرف كيف أهدئ طفلي ولا كيف أحمي نفسي من الوحدة ثم نظر إليها وقال لا أريد أن أستغل ضعفك ولا أن أستغل امتنانك لكنني أريد أن أكون في حياتك إن سمحت لي لا كمنقذ بل كرفيق طريق
ارتبكت رولا لأنها لم تتوقع أن القدر قد يعيد لها طفلها ثم يفتح لها بابا آخر باب قلب جديد لكنها تذكرت أنها ليست مجبرة على شيء هذه المرة وأنها لأول مرة تستطيع أن تختار فأخذت نفسا طويلا وقالت إن حياتها كانت كلها خوفا وإنها تحتاج وقتا لتصدق أن الأمان يمكن أن يعود بلا ثمن مؤلم فقال هاشم سأعطيك وقتا العمر كله إن أردت لأنني تعلمت أن السرعة ليست دليل حب بل الصبر
مرت الشهور والرابط بينهما صار أوضح لم يكن غراما صاخبا بل مودة تنمو في التفاصيل في احترامه لها في اهتمامه
بطفلها كأنه يرى فيه معنى العدالة في وقوفه معها أمام الناس دون أن يجعلها تابعة وفي حديثه معها كإنسانة لا كحكاية وفي ضحك الطفلين معا كأن القدر يريد أن يقول إن ما كسر يمكن أن يصلح إذا وجد قلب صادق
وفي يوم جاءت زوجة هاشم السابقة بعد غياب طويل تريد رؤية طفلها وتريد تبرير رحيلها بكلمات عن العمل والمهام والضغط لكن هاشم لم يفضحها ولم يجرحها أمام الطفل بل وضع حدودا واضحة وقال إن الأمومة لا تستدعى وقت الفراغ وإن الطفل ليس ملفا يعود حين تسمح المواعيد ومع ذلك لم يمنعها من رؤية ابنها لكنه جعل كل شيء منظما يحمي الطفل من التخبط لأن الطفل لا ذنب له في صراع الكبار
وحين رأت تلك المرأة رولا للمرة الأولى فهمت أن الفراغ الذي تركته امتلأ بحنان آخر وأن طفلها الذي كان يبكي بلا توقف صار يبتسم مع امرأة لم تكن
يوما جزءا من خطتها فخرجت وهي تحمل غصة ولكنها كانت غصة حق لا غصة ظلم لأن الذي يترك يفقد شيئا من حقه في الاعتراض على الامتلاء
وجاء اليوم الذي وقفت فيه رولا أمام المرآة وهي تضع يوسف وتبتسم لأول مرة ابتسامة كاملة ثم التفتت إلى هاشم وقالت له بصوت ثابت أنا لا أنسى أنك وعدت فأوفيت وأنا لا أنسى أنني كنت في الطائرة أظن أن حياتي انتهت ثم فجأة بدأت من جديد وقالت إن قلبها يخاف أحيانا من الفرح لأنه اعتاد الحزن لكن الفرح هذه المرة ليس ضيفا عابرا بل شيء يستحق أن يعاش
حينها قال هاشم إن القدر لم يجمعهما عبثا وإنه حين رأى طفلها عرف أن العدل يمكن أن يكون بداية حب لا نهاية حرب ثم مد يده نحوها دون استعجال وقال إن كان في قلبك مكان لي فسأكون الرجل الذي لا يسرق طفلا ولا يهدد أما بل يحمي ويحترم ويصبر
لم تجبه
رولا بكلمة طويلة لأنها لم تعد تحتاج الكلام لتصدق لكنها وضعت يدها على يده في هدوء وفي تلك اللحظة شعر هاشم أن صمت طفله يوم الطائرة لم يكن مصادفة بل رسالة وأن حياة كانت مخفية خلف المناصب ظهرت فجأة في حضن أم مكسورة ثم صارت أما قوية أعاد الله لها طفلها وفتح لها بابا جديدا لا يبدأ بالخذلان هذه المرة بل يبدأ بالرحمة
وهكذا صار ما حدث على متن رحلة العودة ليس مجرد مشهد بكاء رضيع في السماء بل كان نقطة تحول لكل شيء كان خيطا صغيرا شد القدر به ستارة كبيرة فانكشفت حقائق وانردت حقوق وتغيرت مصائر وصار الطفلان يلعبان في بيت واحد لا يعلو فيه صوت إلا الضحك وصارت رولا بعد أن كانت تعود بدمعة وتذكرة فاخرة تعود بحياة كاملة وباب مفتوح وبقلب تعلم أخيرا أن الله حين يعوض يعوض بما لا يخطر على بال احد
تمت حكايات
اسما السيد

تم نسخ الرابط