بعد جنازة ابنتنا حكايات اسما

لمحة نيوز

مكتوبا
أمي التسجيلات دي مسجلة من موبايل قديم خبيته
بابا كان بياخد تليفوني ويقفل عليا
وكان يقول إنك مش هتصدقي
عشان كده سجلت
في تسجيلات فيها صوته وهو بيهددني
وفي تسجيلات فيها صوته وهو بيتكلم في التليفون مع حد اسمه مروان
وفي فيديو أنا عاملاه لنفسي يوم ما قررت أهرب
بس مقدرتش
لأن بابا كان مراقبني
بابا مش بس كان بيعصب
بابا كان بيخطط
لو حصل لي حاجة اوعي تصدقي إنها صدفة
ولو قالوا اني كنت مكتئبة
ده كدب
أنا كنت خايفة
بس كنت بحارب
وآخر حاجة
بابا عنده مفتاح لدرج المكتب اللي في الصالة
المفتاح مخبيه في جرابه
جربي تفتشي بعد ما تتأكدي انك مش لوحدك
غطيت فمي بيدي حتى لا أصرخ
أختي دخلت الغرفة بسرعة
قالت
في ايه
لم أستطع الكلام
أشرت للشاشة
قرأت السطور
ثم جلست بجانبي
وقالت بصوت منخفض
اسمعي حاجة واحدة بس
بس وأنا جنبك
ضغطت على أول تسجيل
سمعنا صوت خطوات
ثم صوت ابنتي وهي تبكي
ثم صوت زوجي واضحا صافيا
اسمعي كويس
انتي هتبطلي تمثيل ولا لأ
صوتها المرتجف
بابا انا مش بمثل
انا خايفة
صوته بحدة
هخليكي تخافي بجد لو فضلتي تفتحي بقك
انتي فاكرة أمك هتصدقك
أمك بتحبني
وانا اللي مصبرها
وهي من غيري ولا حاجة
صوتها
ليه بتقول كده
انا بنتك
صوته وهو يضحك ضحكة قصيرة
بنتي
انتي مشروع فاشل
لو عملتي لي مشكلة هخليكي تندمي
وهخلي أمك تكرهك قبل ما تموتي
انتهى التسجيل وأنا أحس أن الهواء اختفى
أختي أمسكت يدي بقوة
وقالت
ده تسجيل تاريخ كام
نظرت على اسم الملف
كان قبل الوفاة بثلاثة أسابيع
ضغطت
تسجيلا آخر
كان صوت زوجي في مكالمة
ايوه يا مروان
الموضوع لازم يخلص قبل ما تكبر الحكاية
لا لا
أنا مش هسيبها تبوظ اللي بنيته
البت دي لو اتكلمت هتسود وشي
سمعنا صوت رجل آخر بعيد
طيب هتعمل ايه
صوت زوجي
زي ما اتفقنا
هتبان حالة اكتئاب
وشوية حبوب
وهي أصلا كانت بتتعب وبتخاف
الناس هتصدق
والأم هتتدمر وتبقى جنبي زي العجينة
أختي شهقت
وأنا لم أشهق
أنا تجمدت
كأن روحي خرجت ثم رجعت وهي تحمل حجرا بدل القلب
أغلقت اللابتوب بعنف
وقلت
لازم أروح البيت
قالت أختي
لازم الشرطة
قلت
مش دلوقت
لو عرف اني عرفت
هيق تلني انا كمان
قالت
طيب نعمل ايه
قلت
هنعمل اللي قالت عليه
مش هواجهه لوحدي
بس لازم أجيب المفتاح
لازم أشوف الدرج
لازم أعرف مروان مين
لازم أثبت كل شيء
تلك كانت لحظة الانكسار الحقيقي
ليس لأن ابنتي ماتت
بل لأنني أدركت أنني كنت أعيش مع قاتلها
وأنا أضع رأسي بجانبه كل ليلة
لكن وسط الرعب ظهر شيء آخر
هدوء غريب
كأن ابنتي وضعت يدها على كتفي وقالت
دلوقت يا ماما
خدي نفسك
خطوة خطوة
وضعت خطة
خطة بسيطة
هادئة
ذكية
مثلما كانت هي ذكية وهي تخبئ الأدلة تحت السرير
أولا
لن أعود وحدي
ثانيا
لن أظهر له أنني عرفت
ثالثا
سأجمع كل شيء قبل أن أطلب أي مساعدة رسمية
لأن المجرم الذي يعرف النظام يعرف كيف يخرب الأدلة
وزوجي كان يعرف
كان يتصرف كمن يحسب كل خطوة
اتصلت بمحام صديق لأختي
ليس محامي طلاق فقط
بل محامي جنائي
جاء مساء
جلس معنا
سمع جزءا من التسجيلات
وتغير وجهه
قال
دي خطيرة جدا
بس لازم سلسلة
حفظ أدلة
لازم نطلع نسخة ونسلمها بشكل رسمي
ولا نديها لحد يضيعها
قلت
أنا محتاجة أجيب من البيت حاجات تانية
المحامي قال
تمام
بس لازم محضر إثبات حالة بعد ما تجيبيها
وإوعي تروحي لوحدك
في اليوم التالي اتصلت بزوجي
قلت بصوت مكسور متعمد
مش قادرة أنام في البيت
هاقعد عند أختي يومين كمان
قال بملل
براحتك
بس متنسيش موضوع الأغراض
قلت
هرتبها لما أرجع
قال
متطوليش
انتهت المكالمة
وشعرت بالقشعريرة
كأنه يتكلم عن قمامة لا عن ابنتنا
في المساء ذهبنا إلى البيت
أنا وأختي والمحامي
وقفنا خارج الباب
قلت لهم
لو حصل أي حاجة ادخلوا
دخلت وحدي لكنهم كانوا خلفي بخطوة
زوجي لم يكن في البيت
كان في عمله كما قال
وهذا أفضل
ذهبت مباشرة إلى الصالة
إلى المكتب
إلى الدرج المقفول
كانت يدي ترتجف
لكنني تذكرت جملة ابنتي
خطوة خطوة
بحثنا عن المفتاح
لم نجد
فتحت درجا آخر
ولا شيء
ثم تذكرت
المفتاح مخبيه في جرابه
جرابه كان معلقا خلف الباب في غرفة النوم
دخلت وأنا أكتم أنفاسي
أمسكت الجراب
فتشت جيوبه
وجدت المفتاح بالفعل
كان صغيرا فضيا
كأنه لا يساوي شيء
لكنه كان يساوي الحقيقة كلها
عدت للصالة
فتحت الدرج
سمعت طقة خفيفة
فتح
وجدت بداخله ملفات ورقية مرتبة بشكل مبالغ
وعقد تأمين حياة
باسمي
ومستندات باسم ابنتي
وفيها توقيع مزور
وتقرير طبي نفسي مطبوع
يدعي أنها كانت تعاني من اضطراب مزاجي حاد
ومن تحت الأوراق
وجدت علبة حبوب نفس اسم العلبة الفارغة التي كانت في صندوقها
حبتان فقط متبقيتان
وبجانبها ورقة فيها
أرقام
وأسماء
وإيصالات تحويل
المحامي قال وهو ينظر بسرعة
صوري كل ده
صورته
ثم أخذنا نسخة من الأوراق المهمة
وأغلقنا الدرج كما كان
وأعدت المفتاح لجرابه
كما لو أن أحدا لم يلمسه
قبل أن نخرج سمعت صوت باب البيت يفتح
عاد زوجي أبكر مما توقعنا
تجمدت
أختي أمسكت يدي
والمحامي قال بصوت هامس
اهدوا
أنا هتكلم
دخل زوجي
رآنا
توقف
ثم ابتسم ابتسامة مصطنعة
وقال
ايه ده
زيارة مفاجئة
المحامي مد يده
أنا أستاذ كريم
صديق العيلة
جينا نطمن عليها
هي تعبانة نفسيا
زوجي نظر إلي
عينيه ضيقتان
كأنه يشم رائحة الحقيقة
قال
تمام
بس البيت مش مكان زيارات دلوقت
أنا محتاج هدوء
المحامي ابتسم
طبعا
احنا ماشيين
بس حبيت أقول لك
هي لازم تتابع مع دكتور
وممكن نحتاج تقارير رسمية عشان الشغل بتاعها
زوجي قال بسرعة
تقارير ايه
المحامي رد بهدوء
عشان إجازة من غير مشاكل
زوجي هدأ قليلا
ثم قال
ماشي
خرجنا
وعندما أغلق الباب خلفنا شعرت أنني كنت أحبس أنفاسي منذ ساعة
في السيارة انفجرت بالبكاء
لكن بكاء مختلف
ليس بكاء الحزن وحده
بل بكاء الغضب
بكاء الإهانة
بكاء الأم التي أدركت أنها كانت آخر شخص يعرف أن ابنته كانت تستغيث
قالت أختي
هنعمل ايه دلوقت
قلت
هنحط النهاية اللي بنتي كانت بتحاول توصلها
هنجيب مروان
الخطوة التالية كانت تتبع الأرقام
المحامي ساعدنا
قدمنا محضر رسمي مبدئي مع نسخة من التسجيلات
وطلب عدم إبلاغ الزوج لحين اتخاذ إجراءات
لأن هناك خطرا
في اليوم نفسه تم التواصل مع جهة مختصة لمراجعة التحويلات
واكتشفنا
شيئا جعل معدتي تنقلب
زوجي كان يسحب أموالا من حساب مشترك
ويحولها على اسم مروان بشكل دوري
وكأنها دفعات مقابل خدمة
ثم ظهرت مفاجأة أخرى
مروان لم يكن صديقا فقط
كان صاحب صيدلية صغيرة قريبة من المدرسة التي كانت تذهب إليها ابنتي
وكان يملك علاقات مع طبيب يكتب وصفات بسرعة
وها هي
تم نسخ الرابط