بعد جنازة ابنتنا حكايات اسما

لمحة نيوز

الحبوب التي وجدناها
وها هو التقرير النفسي الجاهز
كل شيء كان معدا ليبدو كقصة مكتملة
بنت مراهقة
اكتئاب
ضغط
نهاية مأساوية
وأب حزين ينهار
وأم مكسورة تتعلق به
لكن ابنتي لم تسمح للقصة أن تكتمل
تركت خطا صغيرا من الضوء تحت سريرها
وتركت لي أنا الخريطة
بعد أيام قليلة تم استدعاء مروان بشكل رسمي
في البداية أنكر
ثم عندما واجهوه بالتحويلات وبجزء من التسجيل الذي ذكر اسمه
انهار
قال
أنا كنت فاكر الموضوع تهديد بس
كان بيقول لي البنت هربانة من البيت وبتعمل فضايح
وكان عايز حبوب تخليها تنام
وبعدين يطلع يقول إنها عملت كده بنفسها
أنا كنت عايز فلوس
أنا غلطان
بس هو اللي خطط
كان الاعتراف ناقصا
لكن الاعتراف الناقص كان كافيا لبدء السقوط
زوجي بدأ يشعر أن شيئا يتحرك
صار يتصل بي كثيرا
يصير فجأة حنونا
يقول
وحشتيني
تعالي البيت
الدنيا فاضية من غيرك
وانا محتاجك
كنت أرد بجمل قصيرة
أنا لسه تعبانة
ادعي لي
وفي داخلي كانت نار هادئة
نار لا تصرخ
لا تظهر
لكنها تحر ق كل كذبة
كنت أراه الآن كما هو
رجلا يرتدي وجه الأب
ويخفي تحت القناع مخالب
في ليلة من الليالي اتصل بي بصوت منخفض
قال
هو انتي قلتي لحد
حاجة
قلت
حاجة ايه
قال
قصدي
الناس بدأت ترغي
قلت
الناس دايما بترغي
قال
أصلك بقيتي بعيدة
قلت
الحزن بيبعد
صمت
ثم قال جملة كشفت خوفه الحقيقي
متعمليش أي تصرف يخليني أندم
أنا اتصدمت
ليس لأن الجملة جديدة
بل لأنه لم يعد قادرا على التمثيل طويلا
قلت بهدوء
هو في حد فينا لسه عنده حاجة يخسرها
أغلق المكالمة
في اليوم التالي جاءت الشرطة ومعها إذن تفتيش رسمي
ليس البيت كله
بل مكتب الصالة تحديدا
والكمبيوتر
وملفات التأمين
وهواتفه القديمة
كان هناك دليل جديد لم نره
رسائل محذوفة استعيدت
ومسودات تقارير
وتواريخ دقيقة
حتى يوم الوفاة كان مكتوبا في ملاحظة على هاتفه
كأنه موعد تسليم
لا يوم انهيار ابنة
عندما تم استدعاؤه للتحقيق حاول أن يلعب دور الرجل المظلوم
بكى أمام الضابط
قال
أنا فقدت بنتي
انتوا بتعذبوني
قالوا له
اسمع تسجيل صوتك وأنت بتقول لها هخلي أمك تكرهك قبل ما تموتي
سكت
ثم قال
ده مش أنا
قالوا
ده صوتك
وعندنا التحويلات
وعندنا التقرير المزور
وعندنا اعتراف مروان
وعندنا حبوب بنفس النوع في درجك
هنا تغير وجهه
سقط القناع بسرعة
صرخ
هي اللي كانت مستفزة
هي اللي كانت هتفضحني
هو كان يظن أن
تلك الجملة ستجعله يبدو ضحية
لكنها جعلته يبدو مجرما أكبر
لأن الأب لا يقول عن ابنته مستفزة حين تتوسل
في تلك اللحظة فهمت معنى الانتقام الذكي
ليس أن أصرخ في وجهه
ولا أن أض ربه
ولا أن أحرق بيته
الانتقام الذكي أن أتركه ينهار بقانون لا يرحم
بأدلة لا تكذب
بكلمات ابنته هي
تخرج من جهاز صغير وتصبح سجنا واسعا
بعد أسابيع تم حبسه احتياطيا
ثم بدأت الإجراءات الثقيلة
وأنا كنت أذهب كل يوم تقريبا لأثبت لنفسي أنني لم أعد تلك المرأة التي تساق بالحزن
كنت امرأة تمشي وراء ابنتها
وراء أثرها
وراء حقها
وفي جلسة من الجلسات قدم المحامي الفيديو الأخير
فيديو كانت ابنتي صورته لنفسها
وجهها شاحب
لكن عينيها ثابتتان
قالت فيه
لو الفيديو ده اتعرض يبقى أنا مشيت
أنا مش عايزة أموت
أنا نفسي أعيش
نفسي أبقى عادية
نفسي أرجع أضحك مع ماما
بس أنا محاصرة
أبويا بيقول إن محدش هيصدقني
بس أنا مصدقاكي يا ماما
مصدقة إنك لما تعرفي هتتحولي لجبال
متخافيش
أنا حبيتك
وخبيتلك الدليل
عشان ما تموتيش من غيري مرتين
لم أستطع أن أبقى واقفة
جلست
وبكيت بكاء صامتا
لكنني في داخلي كنت أسمعها تقول
هتتحولي لجبال
خرج زوجي من
القاعة مكبل اليدين
رفع رأسه ورآني
كان يتوقع أن يراني منهارة
أن يراني أتوسل
لكنني لم أفعل
نظرت إليه بثبات
نظرة أم فقدت كل شيء إلا الحقيقة
ثم قلت بصوت منخفض يكفيه وحده
انت رميت ذكرياتها عشان تق تل الدليل
بس هي سبقتك
هي سابتني أنا الدليل
لم يرد
لكن عينيه ارتعشت
لأول مرة رأيت الخوف الحقيقي
ليس خوف رجل من سجن
بل خوف قاتل من فتاة عمرها خمسة عشر عاما
هزمته من تحت سريرها
بعدها عدت إلى البيت مرة واحدة فقط
ليس لأعيش فيه
بل لأودعه
دخلت غرفة ابنتي
فتحت النافذة
دخلت الشمس
كان الهواء أخف
كأن المكان كان ينتظر أن يتنفس
جلست على الأرض
وسحبت الصندوق من تحت السرير
لم يعد مرعبا
صار مقدسا
صندوق نجاة
صندوق رسالة
فتحت دفترها الصغير المقفول بسلك
وجدت داخله صفحات مليئة بخطها
ليست كلها عن الخوف
بل عن الأحلام
عن الجامعة
عن فستان كانت تريد شراءه
عن أغنية كانت تضحك معها
عن يوم قالت فيه
ماما أقوى واحدة في الدنيا بس هي مش عارفة
أغلقت الدفتر
وقلت بصوت مسموع كأنني أخاطبها
أنا عرفت يا حبيبتي
أنا صدقتك
وانا كملت اللي بدأتيه
وحتى لو رجع الزمن لحظة واحدة
كنت هح ضنك وأقول لك
مش انتي اللي
لازم تستخبي
هو اللي لازم يستخبي
بس خلاص
دلوقت هو اللي مستخبي
ورا قضبان
خرجت
وأغلقت الباب برفق
مثلما كان يفعل وهو يدعي أنه لا يريد إيقاظي
لكنني هذه المرة لم أكن نائمة
كنت مستيقظة تماما
وأعرف كل شيء
تمت

تم نسخ الرابط