حسن حكايات اسما
بصوت واطي
انتوا كنتوا عايشين فين
آمنة بلعت ريقها وقالت
في بيت صغير جنب المصرف أمي كانت بتخيط للناس والناس كانت بتدفع على قد ما تقدر.
سأل من غير ما يحس
وأبوكم
سكتت لحظة طويلة وبعدين هزت كتفها
مفيش.
حسن غمض عينه لحظة.
الكلمة دي دخلت قلبه زي سكينة.
مفيش.
سنين وهو برضه عايش بالكلمة دي.
بص لليلى.
كانت لسه مش رافعة عينيها.
قال
اسمك كام سنة يا ليلى
قالت بهدوء
عشرة.
عشرة سنين
عشرة شتا فاتوا وهو فاكر نفسه لوحده.
عشرة سنين فيه حد شايل ملامحه وعايش بعيد عنه وهو مش داري.
صوته خرج مبحوح
وأمك ما قالتش ليه حاجة
آمنة ردت بهدوء أكبر من سنها
كانت بتقول إن الكلمة تقيلة وإنك وعدت ربنا تفتح بابك للغريب فما ينفعش تحملك وجع أكبر من طاقتك.
حسن حس إن صدره اتطبق عليه.
مريم كانت فاهمة قلبه أكتر منه.
بص للرسالة تاني.
كمل قراية.
أنا ما طلبتش منك حاجة طول عمري ولا هطلب
أنا عارفة إنك هتخاف ويمكن تزعل بس أنا كنت واثقة إنك الوحيد اللي هيفهم معنى الوحدة.
سامحني إني أخرت الحقيقة بس كنت خايفة آخد منك حياة كنت بدأت تبنيها.
الرسالة انتهت.
بس الكلام ما انتهيش.
البيت سكت.
صوت الهوا خبط في الشباك كأنه بيشهد على بداية حاجة جديدة.
رحمة الصغيرة كانت نامت وهي حضنة العروسة المقطوعة.
ليلى رفعت عينها أخيرا.
نظرة خايفة بس فيها حاجة بتدور على إجابة.
قالت فجأة
هو إحنا هنمشي إمتى
السؤال ضربه في قلبه.
ليه كل طفل بيتعلم بدري إن الدفا مؤقت.
قال بسرعة
مفيش مشي.
سكتت لحظة.
كأنه هو نفسه بيستوعب اللي قاله.
مفيش مشي.
ومن اليوم ده البيت الكبير ما بقاش فاضي.
الأيام الأولى كانت تقيلة.
مش علشان البنات.
علشان حسن.
البيت اتغير صوته.
بدل صوت جزمته لوحده بقى فيه جري صغير في الطرقة.
ضحكة خفيفة بتهرب من أوضة
وصوت خناقة على بطانية.
أول مرة صحى على صوت حد بينده
بابا الشاي غلي.
قام مفزوع.
وقف في نص الصالة مش فاهم.
الكلمة دي رجعت قلبه للحياة بطريقة وجعته.
كانت آمنة واقفة متكسفة من نفسها.
قالت بسرعة
قصدي يا عمو
سكت.
بص لها.
قال بهدوء
قوليه عادي.
الكلمة اتقالت تاني المرة دي أهدى
بابا.
اليوم ده حسن خرج الحقل وهو شايل حاجة تقيلة في صدره.
تقيلة بس دافية.
القرية بدأت تتكلم.
طبعا هتتكلم.
ثلاث بنات فجأة في بيت الراجل اللي عاش سنين لوحده.
الناس بتخاف من الحكايات اللي ما تفهمهاش.
في يوم واحد من رجال البلد قال له بنبرة فيها غمز
الدنيا بتعوض يا حسن.
حسن بص له بهدوء
الدنيا بترد الأمانة بس.
الشتا خلص.
والبيت بدأ يعرف الربيع تاني.
رحمة كانت أول واحدة تناديه وهو راجع من الأرض
بابا جاااااااااااااا.
وجرت عليه ترمي نفسها في حضنه.
الحضن اللي كان فاضي سنين اتعلم
ليلى كانت أبطأ.
مش في المشي.
في القرب.
كانت بتراقبه.
تدرسه.
تستنى دليل.
لحد يوم رجعت من المدرسة ساكتة.
حاطة الشنطة في الركن ومش بتبص له.
قال
مالك
سكتت شوية وبعدين قالت
المدرسة سألتنا نكتب اسم الأب في الاستمارة كتبت اسمك.
لو ده غلط امسحه.
حسن حس إن قلبه اتفتح من النص.
ركع قدامها وقال
ده أول اسم صح كتبتيه في حياتك.
ليلى حضنته يومها.
أول حضن.
وكان تقيل قد تاريخ كامل بيتصلح.
السنين عدت.
والبيت اللي كان ساكت بقى بيت يتنفس.
آمنة كبرت وبقت شايلة مسؤولية البيت معاه.
ليلى بقت تشبهه أكتر كل يوم.
نفس النظرة الثابتة.
ونفس الصمت اللي فيه طيبة مستخبية.
ورحمة بقت ضحكة ماشية على رجلين.
وفي ليلة شتا بعد سنين طويلة.
حسن وقف عند نفس القبر اللي قال عنده الوعد.
التراب كان ساكت.
الهوا بارد.
قال بهدوء
وعدي نفذته يا سعاد بابي مفتوح والبيت عمره ما بقى
رجع البيت.
فتح الباب.
وصوت البنات مالي المكان.
عرف ساعتها إن بعض الوعود بتتقال مرة واحدة
لكن بتعيش عمر كامل.