جوزي كل سبت حكايات اسما

لمحة نيوز

ما يكدبش
قال وهو باصص لي مباشرة أوعدك
سكت شوية وبعدين قال بخوف وأنا عارف إنك مش مضطرة لكن أنا كنت ناوي أقولك الأسبوع الجاي إنّي بفكر أقدّم طلب كفالة مؤقتة أو على الأقل رعاية منزلية بعض الأيام لأن الدار إمكانياتها ضعيفة وحالة ليان النفسية محتاجة بيت مش مؤسسة
غمضت عيني ثانية وشعرت بوزن الجملة ينزل على كتفي أنا ست في آخر الأربعينات أولادي كبار لكن لسه ليهم طلباتهم وحياتي مستقرة بشكل معين وفجأة يفتح باب لطفلة مريضة محتاجة رعاية خاصة وعلاج ومشاعر وصبر وميزانية وحياة كاملة جديدة
لكن الغريب إن أول صورة جت في بالي ما كانتش عن التعب ولا الفلوس كانت صورة ليان وهي بتسأل بخوف أنا عملت حاجة غلط
فتحت عيني وقلت له خلينا نفهم الأول إيه الممكن وإيه اللي علينا وإيه الأفضل لها مش عايزين ناخد قرار بعاطفة بس
محمود بص لي بامتنان كأنه كان متوقع أقل من كده بكتير وقال حاضر
الأيام اللي بعد كده كانت مختلفة بشكل غريب وجميل ومؤلم في نفس الوقت رحت معاه السبت اللي بعده وبدأت أتعرف على ليان أكتر جبت لها معايا كيكة صغيرة لأن الممرضة قالت لي إن نفسها في حاجة بالشوكولاتة لكن أسنانها وجسمها ما يساعدوهاش كتير فعملت لها حاجة طرية وخفيفة ولما دوقتها لقيتها بتغمض عينها وتضحك كأنها دخلت الجنة والضحكة دي دخلت قلبي من أوسع باب
بعدها بأسبوعين كانت بتناديني طنط سلوى من غير تردد وبعد شهر بقت تستناني وتسأل عمو محمود
فين طنط سلوى مجتش ليه في الأيام اللي ما بروحش فيها كنت بلاقي نفسي سرحانة فيها وأنا بعمل الأكل أو بطبق الغسيل أو حتى وأنا بصلي
ولادنا الكبار لما عرفوا الحكاية اتصدموا طبعًا من سر أخو أمه ومن كذب أبوهم لكنهم كمان اتأثروا بليان أكتر مما توقعت بنتي ندى راحت مرة وشافت ليان ورجعت تبكي طول الليل وابني كريم بدأ يعرض يوديها جلسات العلاج بعربيته لو احتجنا
أما أنا ومحمود فكان لازم نصلح الشرخ اللي حصل بيننا لأنه ما كانش بسيط في ليلة من الليالي قلت له بصراحة أنا كل ما أفتكر كذبة عم أحمد قلبي يوجعني وما اقدرش أتصرف عادي فقال لي أنا مستعد أفضل أصلح اللي انكسر مهما خدت سنين وأنا عارف إن الثقة مش كلمة تتقال وترجع لوحدها
وكان صادق
بقى يحكي لي كل صغيرة وكبيرة بوضوح زائد لدرجة أوقات كنت أضحك وأقوله خلاص يا محمود مش لازم تقرير أمني كل يوم لكنه كان بيحاول يثبت لي إن باب السر اتقفل فعلًا
بعد ثلاثة شهور من المتابعة والاستشارات قدرنا ناخد قرار إن ليان تقضي معانا كل يوم جمعة وسبت في البيت كتجربة تحت إشراف الدكاترة والممرضة الاجتماعية أول مرة دخلت فيها بيتنا وهي على كرسيها المتحرك كانت ماسكة في دبدوبها ومتوترة جدًا سألتني وهي على الباب هو أنا ممكن ألمس الحاجات ولا هتتسخ قلت لها وأنا حضناها لوّثي البيت كله يا حبيبتي ده بيتك
اليوم ده ما انساهوش
ندى علقت لها زينة صغيرة في الأوضة الفاضية وكريم جاب لها
جهاز تابلت عليه ألعاب تعليمية ومحمود فضل طول اليوم عامل نفسه جامد لكنه دخل المطبخ مرة وأنا لقيته بيمسح دموعه وبيقول لي أمي لو كانت عاشت وشافت اليوم ده كانت هتموت وهي مرتاحة
في الليل وأنا بغطي ليان لقيتها بتبص لي وقالت طنط سلوى هو لو أنا بقيت تقيلة عليكم هترجعوني
الكلمة كسرتني من جوه قعدت جنبها وقلت لها بصيلي كويس إنتِ مش شنطة حد بيشيلها ويحطها إنتِ بني آدمة وربنا بعتك لينا علشان يبقى لنا نصيب فيكي وليكي نصيب فينا ومحدش هيرجعك في حتة علشان تعبتِ أو مرضتِ
سألتني بعينين مليانين خوف طب ممكن أناديكي ماما سلوى
ماقدرتش أرد من كتر الدموع
حضنتها وقلت لها ممكن تناديني اللي يريح قلبك
من يومها البيت اتغير فعلًا بقى فيه مواعيد علاج وتمارين وأدوية ورسومات على التلاجة وصوت كرتون في الصبح وأسئلة بريئة بالليل وبقى فيه تعب جديد أيوه لكن معاه رحمة جديدة كانت غايبة عننا كلنا محمود رجع يضحك تاني الضحكة اللي كنت فاكرة إنها ماتت من زمان وأنا كمان حسيت إني رجعت أشوفه بعين مختلفة راجل أخطأ في حقي لما أخفى لكنه ما كانش خاين ولا قليل أصل كان ابنًا يحاول يبرّ وصية أم ماتت بالقهر وأخًا يحاول يصل رحمًا انقطع ظلمًا وأبًا يحاول يرمم خوف طفلة اتخذلت كتير
لكن رغم كل ده ما كانش الطريق سهل كانت في ليالي بنختلف فيها بسبب الإرهاق أو المصاريف أو الخوف من المستقبل مرة انفجرت فيه وقلت له إنت السبب إننا دخلنا الدوامة
دي من غير استعداد كفاية ومرة هو قال لي إنه أحيانًا بيحس بذنب تجاه أمه وتجاه سامح وتجاهنا كلنا وإنه مهما عمل مش هيكفي كنا بنتخانق ونصالح ونتعلم من جديد يعني إيه نبقى فريق فعلًا مش مجرد زوجين عايشين في بيت واحد
بعد ست شهور من الزيارات والتجربة والاستشارات القانونية والطبية جه اليوم اللي المحكمة وافقت فيه على نقل الرعاية الدائمة المؤقتة لينا لحين استكمال الإجراءات رجعنا من المحكمة وأنا ومحمود وليان في العربية والبنت كانت فرحانة بشكل ما شفتوش عليها قبل كده وقالت لنا دلوقتي أنا عندي بيت رسمي صح فضحك محمود وقال لها رسمي وختمي كمان فقالت وأنا عندي أوضة رسمي فقال لها وعندك دولاب رسمي وكرسي مكتب رسمي قالت وأنا عندي ماما سلوى رسمي
بصيت لها وبعدين بصيت لمحمود
هو بص لي بنظرة فيها ألف اعتذار وألف شكر
وفي اللحظة دي بالذات فهمت حاجة مهمة قوي إن الحياة مش بتمتحننا بس بالمصايب الواضحة أحيانًا بتمتحننا بالأسرار اللي لو خرجت غلط تهد البيت ولو خرجت صح ممكن تعيد بناءه من جديد
بعد سنة كاملة من أول مكالمة مع عم أحمد كنت قاعدة في المطبخ بعمل بسبوسة وليان في الصالة بتحاول تذاكر وبتتخانق مع محمود على جدول الضرب وفجأة رن تليفوني كان عم أحمد نفسه سأل عليا وعلى محمود وقال لي ضاحك هو لسه بيزورني كل سبت ولا بطّل قلت له وأنا بضحك لا يا عم أحمد خلاص بقى يزور حد تاني أهم منك شوية
قال لي ربنا يجبر خاطركم
زي ما جبرتوا خاطر البنت

تم نسخ الرابط