ليله على سطح المدينه حكايات اسما السيد
المحتويات
بس خلينا نعتبرها حدس قوي.
لم يقتنع لكنه فضل ألا يضغط. ربما لمحت الكلمة قبل أن ينتبه.
وليه عايزاني نكمل القصة سوا
لأن الليلة دي فعلا مختلفة بالنسبالي أنا على الأقل. ومش عايزاها تعدي زي باقي الليالي. عايزاها تبقى قصة مكتوبة مش مجرد ذكرى هتتبخر.
اقترب منها خطوة ثم جلس على بعد متر تقريبا متربعا على الأرض.
أغلق الدفتر ثم أعاد فتحه على نفس الصفحة وأمسك القلم.
طيب افترضي إننا هنكتبها سوا. هنبدأ منين
ابدأ بإن فيه بنت طلعت فوق السطح في نص الليل لابسة معطف أسود ووشاح رمادي
وتقابل شاب اسمه سليم
مش شرط يكون اسمه سليم. ممكن تسميه أي حاجة. بس خليه واحد مش متصالح مع نفسه.
ضحك بخفة
واضح إن عندك فكرة عن الشخصية أكتر مني.
عندي فكرة عن الشعور. والباقي شغلك.
بدأ يكتب يدون وصفا للسطح للمدينة للفتاة وللشاب الذي يختبئ من نفسه خلف الدفاتر.
لم تكن هذه أول مرة يكتب فيها عن نفسه لكن لأول مرة يشعر أن هناك من يراقب الكلمة وهي تولد يتعامل معها كشيء حقيقي لا كخيال في رأسه فقط.
بعد دقائق من الكتابة المتواصلة توقف.
طيب نكمل إزاي
اسألني.
أسألك إيه
اسألني عن اللي جابني هنا.
رفع عينيه عن الورق وحدق في وجهها. بدا عليه تردد واضح ثم قال
إيه اللي جابك هنا يا هالة
لم تجب فورا.
رفعت رأسها إلى السماء تحدق في نقطة معينة كأنها
عارف في ناس بتطلع السطوح علشان تهرب من ضوضاء الشارع وفي ناس بتطلع علشان تهرب من أهلها أنا طلعت علشان أهرب من بكرة.
الجملة ك سرت شيئا في الجو.
قال سليم بهدوء
من بكرة بكرة إيه
بكرة اليوم اللي هضطر أعمل فيه حاجة أنا مش عايزاها. قرار كبير. حاجة ممكن تغير حياتي أو تقفلها على شكل مش أنا.
أحس بشيء من الفضول يمتزج بقلق غريب.
يعني إيه
أنا مخطوبة. قالتها ببساطة.
مبروك خرجت الكلمة من فمه على استحياء كأنها سؤال أكثر منها تهنئة.
الخطوبة دي اتفرضت علي بشكل غير مباشر. أهلي شايفينه عريس ممتاز. شغلانه كويسة أخلاق كل حاجة. وأنا مش حاسة بحاجة.
سكتت لحظة ثم أكملت
بكرة المفروض نكتب الكتاب.
وأنت مش عايزة
أنا مش مقتنعة بفكرة إني أرتبط بشخص وأنا أصلا مش عارفة أنا مين لسه. أنا زيك عندي بدايات كتير بس ولا حكاية مكتملة.
التصقت جملتها بداخل رأسه.
الليلة التي قرر أن يكتب فيها قصة مختلفة كانت نفس الليلة التي قررت فيها هي أن تهرب من غد مختلف لا تريده.
طيب جايه هنا ليه بالذات ليه السطح ليه العمارة دي
لأن السطح ده مش غريب علي. قالت بهدوء. كنت بطلع هنا من وأنا صغيرة.
تفاجأ
أنت ساكنة هنا
كنت. زمان. في الدور التالت. قبل ما ننتقل لحي تاني. العمارة دي جزء من طفولتي. كنت بطلع وأقف هنا في نفس
ابتسمت ابتسامة فيها وجع مكتوم.
كبرت. وهاخد قرار مش بتاعي.
سليم لم يكن خبيرا في التعامل مع المشاعر المعقدة. لكنه شعر أن ما تمر به هالة يشبه ما يمر به هو لكن في صورة مختلفة. كلاهما هارب من قرار مكتوب من مستقبل يشبه عقدا لم يقرأ شروطه جيدا.
طب إيه المطلوب مني
ولا حاجة. أنا بس عايزة أوثق الليلة دي في ورق. لو قررت بكرة أكمل تبقى الليلة دي ذكرى بس مكتوبة. ولو قررت أهرب يبقى عندي دليل إن أنا حاولت أختار.
خرجت كلمة أهرب من فمها ثقيلة.
تهربي تهربي فين
مش عارفة. يمكن متهربش بالمكان أهرب بالقرار.
مرت ساعة تقريبا وهما يتحدثان.
أخبرته هالة عن طفولتها في العمارة عن الجارة العجوز في الدور الثاني اللي كانت توزع على الأطفال حلويات في العيد وعن الولد اللي كان يرمي طيارات ورق من فوق السطح.
حكت له عن انتقالهم المفاجئ حين كان عمرها اثني عشر عاما وكيف شعرت كأن حياتها انقسمت إلى نصفين قبل هذه العمارة وبعد البيت الجديد.
سليم بدوره أخبرها عن عمله الممل في شركة صغيرة وعن إحساسه الدائم أنه زائد عن الحاجة وعن والدته التي تسأله باستمرار هتستقر إمتى وتتجوز وعن خوفه من أن يصبح يوما نسخة من رجل يجلس في مقهى يلوم نفسه على رواية لم يكتبها.
كلما تبادلا الحديث كان
وهالة لم تمانع بل كانت تسأله أحيانا
اكتب دي. الجملة دي. مهمة.
أو
لا امسح اللي كتبته عني كأني ضعيفة. أنا مش ضعيفة أنا بس متلخبطة.
في لحظة ما سألته
لو كنت مكاني تعمل إيه بكرة
مش عارف. أنا أصلا عندي مشكلة مع القرارات الكبيرة.
إزاي
بسيطة. أنا بتهرب منها. أخلي غيري يقرر أو أسيبها للظروف. كده أقدر دايما ألوم الدنيا وأقول ما حصلش نصيب بدل ما ألوم نفسي.
ضحكت ضحكة قصيرة.
يعني أنت بتعمل العكس من اللي المفروض يحصل. أنا بعمل نفس الغلطة بس بصيغة مختلفة بسيب غيري يقرر علشان ما يشيلش حدش هم اختياراتي.
في الحالتين ولا واحد فينا عايش حياته بجد.
بالضبط.
سكتا للحظات.
ثم قالت بهدوء
طب إيه رأيك نعمل صفقة
صفقة
أيوه. أنت تساعدني أخد قرار حقيقي وأنا أساعدك تخلص أول قصة كاملة في حياتك.
تفكر. الفكرة بدت في ظاهرها بسيطة لكن ما تحتها أخطر بكثير.
هساعدك إزاي أنا أساسا مش عارف أساعد نفسي.
مش مطلوب إنك تقرر عني. بس نحلل سوا. نحط كل الاحتمالات على الورق. نحكيهم كقصص. وأنا
في الآخر أختار أي قصة هعيشها. وأنت بالمقابل مش هتهرب ولا توقف في النص. هتكتب القصة دي لحد آخر سطر.
مدت يدها كأنها تعرض مصافحة رسمية.
اتفقنا
تردد ثوان ثم مد يده
كانت يدها باردة لكن ضغطها حازم.
اتفقنا.
فتح سليم صفحة جديدة وكتب في أعلاها
متابعة القراءة