جبران خاطر حكايات اسما

لمحة نيوز

حماتها كانت بتجبرها تقعد على الأرض في الغيط وهي حامل تقلع البطاطس وسط العمال كأنها واحدة شغالة معاهم
إجازة ليه وراحة وزرع وقلع في حقل البطاطس ليها ولما رجع شافها اتقسم قلبه نصين.
القصة كاملة هنا
محسن كان دايما بيقولها وهو بيقفل شنطة السفر
إجازة شغل يا نهى مش فسحة.
ونهى كانت بتهز راسها وخلاص.
مش لأنها مقتنعة بس لأنها اتعلمت إن في جمل بتتقال علشان تقفل الكلام مش علشان تشرح الحقيقة.
بس المرة دي كانت مختلفة.
نهى كانت حامل في الشهر السادس.
حمل جاي بعد سنين طويلة من الانتظار والعلاج والدكاترة والدموع اللي كانت بتستخبى في المخدة بالليل.
كانت تعبانة جدا بقالها أسابيع.
ضغطها يطلع وينزل رجليها بتورم ووجع في ضهرها يخليها تمشي كأنها شايلة حجر على عمودها الفقري.
كانت بتقول لنفسها
ده تعب حمل طبيعي كل الستات بتستحمل.
لكن الحقيقة أبسط وأقسى
هي كانت بتستحمل لوحدها.
محسن مدير مبيعات في شركة كبيرة.
سفر اجتماعات مكالمات ودايما مشغول.
وهي مدرسة عربي في مدرسة خاصة وربة بيت وطباخة وممرضة وسواق وكل حاجة.
عندهم طفلين كريم 10 سنين وسلمى 7 سنين.
وغيرهم في واحد تالت عايش معاهم.
حمزة.
أخو محسن الصغير.
24 سنة. ساكن معاهم مؤقتا بقاله سنتين.
ومؤقتا دي كلمة مطاطة جدا تتشد لحد ما تبقى واقع دائم.
حمزة ماكانش شرير بشكل واضح.
كان أسوأ كان بارد.
وجوده تقيل كلامه تقيل نظراته تقيلة.
والأثقل من ده كله حماة نهى.
أم محسن.
الست اللي شايفة إن الست لازم تتربى.
وإن الحمل مش مرض.
وإن الست القوية هي اللي تشتغل وتخدم وتستحمل.
في يوم قبل السفر بيومين أم محسن اتصلت بنهى وقالت لها
بكرة هننزل الغيط بدري.
نهى

اتلخبطت
غيط
قالت ببرود
أيوه غيط البطاطس. موسم القلع بدأ. الست لازم تقف جنب بيت جوزها.
نهى حاولت تشرح
يا ماما أنا حامل والدكتور قال أقلل مجهود.
ضحكت ضحكة قصيرة قاسية
إحنا كنا بنخلف في الغيط ونرجع نطبخ. الدكاترة دلعوا الستات.
قفلت الخط.
نهى فضلت باصة للموبايل كأنها اتصفعت.
حاولت تقول لمحسن بالليل.
قال لها وهو بيرتب شنطته
روحي يومين بس وخلاص. ما تكبريش الموضوع.
يومين.
الكلمة دي كانت كفيلة تخلي قلبها يهبط.
الصبح الساعة 6 كانت قاعدة على الأرض في الغيط.
الشمس لسه طالعة والندى لسه على التراب ووجع ضهرها بدأ قبل ما تمسك أول شتلة بطاطس.
حواليها ستات ورجالة بيشتغلوا بصمت.
وأم محسن واقفة بعيد تراقبها.
كل ما تقف ترتاح تقول لها
اقعدي يا نهى الأرض مش هتعضك.
كانت حاسة إنها مش كنة ولا زوجة
كانت عاملة.
والأصعب من التعب الجسدي الإحساس بالإهانة.
العمال كانوا يبصوا لها بنظرة شفقة صامتة.
شايفين بطنها شايفين تعبها ومش فاهمين ليه الست دي مجبورة تقعد هنا.
نهى فضلت تقلع البطاطس وهي بتحاول ما تعيطش.
الساعة عدت الشمس عليت والوجع بقى نار في ضهرها.
فجأة حست بدوخة.
الدنيا اسودت.
وقعت على جنبها في الطين.
صوت بعيد بيقول
الحقوا الست وقعت!
صلي على محمد وال محمد وتابع معايا
الدنيا لفت بيها وهي واقعة على جنبها في الطين وبطنها قدامها تقيلة كأنها حجر مربوط في جسمها وسمعت صوت أم محسن من بعيد مش صوت خوف قد ما هو صوت ضيق كأنها بتتكسف قدام العمال إن الكنة وقعت في الغيط وحد قال بسرعة هاتوا مية حد جري يجيب ازازة مية من الشادر وحد تاني حاول يرفعها بس نهى صرخت من الوجع وقالت سيبني بالله عليك بطني بتشد
وكأن في حبل بيقطع جواها وهي بتحاول تاخد نفسها بس النفس بيطلع بالعافية والدوخة بتزيد وعينيها بتفتح وتقفل والنهار بقى أبيض قوي قدامها كأن الشمس نزلت على وشها مباشرة
واحدة ست كبيرة من العمال قربت منها وحطت ايدها على جبينها وقالت دي سخنة دي لازم تتنقل حالا يا ولاد حد يروح يجيب عربية ولا توك توك وام محسن واقفة ساكتة لحظة وبعدين قالت وهي بتتكلم للناس بصوت عالي ما تخافوش دي بس دوخة حمل هتقوم اهو نهى سمعت الجملة واتكسرت من جواها اكتر من الوجع نفسه لانها عرفت في اللحظة دي ان الست دي مش شايفاها بني ادم ولا شايفا اللي في بطنها امانة ولا شايفا سنين العلاج والانتظار شايفا بس كلمة كنة ولازم تتربى
الست الكبيرة بصت لام محسن بحدة وقالت يا حاجة دي حامل في شهرها السادس ووشها اصفر زي الورق وبتتقطع من الوجع دي مش دوخة دي ممكن تسقط لو ما لحقتوها ام محسن اتلخبطت لحظة لان العمال كلهم بصوا عليها وده اللي كانت بتكرهه نظرة الناس ليها لما تحس ان حد شايف حقيقتها فقالت بسرعة هاتوا العربية وتعالوا نطلعها على البيت
اتشالت نهى بالعافية واتحطت في عربية نقل صغيرة كانت جاية تشيل شكاير بطاطس وفرشوا لها مشمع تحتها وحطوا جلابية فوقها عشان الشمس ونهى كانت بتعض على شفايفها عشان ما تصوتش بس الدموع كانت بتنزل لوحدها والوجع مش وجع ضهر بس ده وجع كرامة وجع سنين كاملة وهي بتحاول تبني بيت ويطلع البيت بيهدمها
وصلوا البيت والبيت كان بيت العيلة الكبير اللي ام محسن فيه الكلمة الاولى والاخيرة نهى اتحطت على سرير في اوضة قديمة ريحتها نفثالين وهدوم مخزنة وام محسن قالت لواحدة من قرايبها هاتي لها كوباية ينسون وخلصينا
نهى حاولت تتكلم قالت يا ماما انا حاسة ببطني بتشد وعايزة دكتور ام محسن ردت بمنتهى البرود دكتور ايه بس يا بنتي هنجيب دكتور عشان دوخة هتشرب ينسون وتنام وتقوم كويسة
نهى بصت للسقف وافتكرت محسن وهو بيقفل شنطته ويقول اجازة شغل يا نهى مش فسحة وافتكرت نفسها وهي ساكتة عشان ما تفتحش خناقة قدام العيال وافتكرت انه حتى وهو رايح السفر كان باصص في الموبايل اكتر ما كان باصص في عينيها وحست ان سكوتها هو اللي وصلها لحد هنا
التقل زاد فجأة والشد بقى موجات تيجي وتروح وهي ماسكة في الملاية وبتحاول تعدي اللحظة وكل موجة تحس بعدها انها بتغرق اكتر واحدة من الستات قالت لازم نروح المستشفى يا جماعة دي مش طبيعية وام محسن قالت بحدة مستشفى ايه انتي هتفضحينا في البلد يعني الكنة راحت الغيط ووقعت هنروح نلف بيها على المستشفى وتبقى سيرة على كل لسان
الجملة دي كانت اخر خيط صبر عند نهى نهى قامت نص قومة بالعافية ووشها مليان عرق وقالت بصوت مكسور بس واضح انا مش خايفة من كلام الناس انا خايفة على ابني انا مش لعبة عند حد انا انسانة وام محسن اتفاجئت ان نهى بتتكلم بالطريقة دي لان نهى طول عمرها ساكتة فام محسن قالت وهي بتقرب منها انتي بتعلي صوتك عليا يا نهى نهى ردت انا مش بعلي صوتي انا بطلب حق طبيعي مستشفى دلوقتي
في اللحظة دي حمزة دخل الاوضة وهو عامل نفسه لسه صاحي من النوم وهو في الحقيقة كان متابع من الاول بس ما بيحبش يتدخل غير لما يحس ان في فرصة يتفرج على وجع حد وقال بنبرة باردة ايه اللي بيحصل هنا ام محسن قالت اختك مرات اخوك بتعمل دوشة عشان وقعت في الغيط نهى بصت له وقالت انا حامل يا حمزة وحاسة اني بموت وهو
رد بكل برود ما انتي اللي نزلتي الغيط اهو
نهى حست ان الدنيا بتلف تاني بس المرة دي
تم نسخ الرابط