جبران خاطر حكايات اسما
بوضوح
مراتي مش مسيطرة
مراتي شريكة حياتي
الجملة كانت صغيرة
بس كانت أول مرة تتقال بصوت عالي قدام حمزة
حمزة سكت لحظة وبعدين قال بنبرة فيها تهديد خفيف
طيب خليها تنفعك
وساب الشنطة وخرج من غير ما يقول هو رايح فين
نهى فضلت واقفة مكانها
قلبها بيدق بس مش من الخوف
من إحساس إن الحرب بدأت رسمي
بعد يومين بس
محسن رجع من الشغل متأخر ووشه متغير
نهى أول ما شافته عرفت إن في حاجة
قال لها وهو بيقعد
ماما باعتلي رسالة
نهى سكتت
هو كمل
بتقول إن صحتها بتتدهور وإنها محتاجة تعيش معانا فترة
الصمت اللي بعدها كان تقيل
نهى كانت شايفة المشهد قدامها بوضوح
أم محسن داخلة البيت
نفس الكلام القديم
نفس الضغط
نفس الإهانات المغلفة بنصايح
بس المرة دي نهى ما خافتش
المرة دي ابتسمت ابتسامة هادية وقالت
تمام
محسن اتفاجئ
قال
تمام
نهى هزت راسها وقالت
آه تمام تيجي تقعد معانا
محسن اتلخبط وقال
بجد
نهى قالت
آه بس بشروط
وهنا ابتدى الجزء اللي محدش كان متوقعه
نهى فتحت درج وطلعت كشكول صغير
محسن بص لها باستغراب
قالت بهدوء
أنا بقالي شهور بكتب كل حاجة بتحصل في البيت
مصروفات مواعيد مدرسة مصاريف علاج مواعيد متابعة الحمل وبعد الولادة
وحتى جدول الشغل والبيت
محسن سألها
ليه
نهى ابتسمت
علشان البيت يمشي بنظام
مش بالمزاج
وقفت وكملت
لو ماما هتيجي تقعد معانا يبقى فيه نظام واضح للبيت كله
محسن بدأ يفهم إن في حاجة مختلفة
نهى مش بتستسلم
نهى بتدير اللعبة
قالت بهدوء
أي حد يعيش
مفيش حد يقعد يتفرج
البيت ده مش فندق
وبدأت تعد
مواعيد أكل العيال
مواعيد المدارس
تنضيف البيت
المشتريات
حتى وقت الراحة
محسن كان بيبص لها بدهشة
دي نهى اللي كانت بتقول حاضر وخلاص
قالت بهدوء
ماما هتيجي أهلا وسهلا
بس هتبقى فرد في بيت منظم
مش مديرة البيت
محسن حس بحاجة غريبة
فخر ممزوج بدهشة
قال
وماما هتوافق
نهى ابتسمت وقالت
لو عايزة تعيش معانا هتوافق
مر أسبوع
وجت أم محسن فعلا
دخلت الشقة بنفس الهيبة القديمة
بس اللي استقبلها كان بيت مختلف
نظام مختلف
وقوانين مكتوبة
أول يوم حاولت تتدخل في أكل العيال
نهى ابتسمت وقالت
ده جدولهم يا ماما الدكتور كاتبه لهم
تاني يوم حاولت تنتقد شغل نهى
نهى قالت بهدوء
أنا ومحسن متفقين
تالت يوم حاولت تشغل نهى طول اليوم
محسن قال
نهى محتاجة راحة
كل محاولة كانت بتتكسر بهدوء
من غير خناقة
من غير صوت عالي
وده اللي كان بيجنن أم محسن أكتر من أي مواجهة
لأن السيطرة بتعيش على الخوف
ولما الخوف يختفي السيطرة بتختفي
وفي ليلة هادية بعد ما الكل نام
أم محسن كانت قاعدة لوحدها في الصالة
بصت حوالين البيت
بيت ابنها
بس مش بيتها
ولأول مرة حست إنها خسرت المعركة فعلا
أما نهى
كانت واقفة في أوضة الأطفال بتبص على ولادها الثلاثة نايمين جنب بعض
ابتسمت بهدوء
وفهمت إن القوة مش صوت عالي
القوة إنك تعرف تحمي نفسك بهدوء
الهدوء اللي عاشته نهى بعد ما أم محسن سكنت معاهم كان شكله هادي لكن تحت السطح كان في حاجة بتتحرك
حمزة ما اختفاش
حمزة كان ساكت
والسكون بتاعه كان أخطر من أي كلام
عدى شهر كامل من غير مشاكل كبيرة
أم محسن بقت تتعامل بحذر
محسن ثابت على موقفه
والبيت لأول مرة ماشي بنظام
نهى كانت بتقول لنفسها يمكن خلاص انتهت
يمكن فعلا الناس بتتغير
لكن الحقيقة إن في ناس ما بتتغيرش
بس بتغير طريقتها
في يوم عادي جدا
محسن رجع من الشغل متأخر ووشه متوتر
أول ما دخل قال
نهى احنا لازم نتكلم
قلب نهى وقع
الإحساس القديم رجع لحظة
بس وقفت ثابتة وقالت
خير
محسن قعد وقال
الشركة بتعرض عليا ترقية كبيرة
مدير إقليمي
مرتب أكبر وسفر أقل
بس
نهى قالت
بس ايه
قال
لازم ننقل مدينة تانية
الصمت اللي بعدها كان طويل
نهى كانت شايفة السيناريو القديم بيحاول يرجع
سفر تغيير تضحية
لكن المرة دي حاجة كانت مختلفة
محسن مسك إيدها وقال بسرعة
أنا مش موافق قبل ما نقرر سوا
الجملة دي وحدها كانت كفيلة تغير إحساس نهى كله
قالت بهدوء
مدينة فين
قال اسم مدينة بعيدة نسبيا لكن فيها مدارس كويسة ومستوى معيشة أعلى
قال
ده مستقبل أحسن لينا وللعيال
نهى سكتت لحظة وبعدين قالت
ومامتك
محسن رد
هتيجي معانا لو حابة
بس بنفس القواعد
الجملة دي كانت أهم من الترقية نفسها
بعد أيام من التفكير قرروا ينتقلوا فعلا
قرار جديد بداية جديدة بيت جديد بعيد عن الغيط وعن ذكريات الإهانة
يوم النقل كان غريب
شنط كراتين عيال بيجروا لعب بتضيع ضحك وتوتر
أم محسن كانت ساكتة معظم الوقت
واضح إنها مش مرتاحة لفكرة إنها
وحمزة
ظهر فجأة يوم السفر
وقف عند باب العمارة وقال لمحسن
سمعت إنك مسافر
محسن قال
آه
حمزة قال بابتسامة باردة
مبروك
وبص لنهى وقال
افتكري إن الدنيا دوارة
ومشي
الكلمة كانت تقيلة
بس لأول مرة ما كانش لها تأثير
لأن نهى كانت واقفة جنب جوزها
مش لوحدها
وصلوا المدينة الجديدة
بيت جديد شقة أوسع نور داخل من كل الشبابيك
نهى أول ما دخلت حست بإحساس غريب
راحة
كأنها بتدخل بيتها لأول مرة فعلا
مرت الشهور بسرعة
محسن نجح في شغله
نهى رجعت تشتغل في مدرسة قريبة
العيال دخلوا مدارس جديدة واتأقلموا
وياسين بدأ يمشي أول خطواته في الصالة وسط ضحكهم
أم محسن اتغيرت بهدوء
مش فجأة
مش بشكل كامل
بس بقت أهدى
أقل تدخل
يمكن لأن المكان جديد
يمكن لأنها فهمت إن ابنها كبر فعلا
وفي ليلة بعد سنة كاملة
نهى كانت قاعدة في البلكونة بالليل والهواء بارد خفيف
محسن خرج وقعد جنبها وقال
فاكرة يوم الغيط
نهى ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت
مستحيل أنساه
قال
أنا كمان
اليوم ده غير حياتي
نهى بصت للشارع وقالت
مش اليوم اللي غير حياتنا
قراراتنا بعده هي اللي غيرتها
محسن قال
أنا كنت فاكر إني بحمي البيت بالفلوس
طلعت بحميه بالمواقف
نهى ردت بهدوء
وأنا كنت فاكرة إن السكوت بيحافظ على البيت
طلع بيهده
سكتوا لحظة
صوت ياسين من جوه وهو بيضحك مع اخواته وصل لهم
نهى قالت
أهم حاجة إن ولادنا ما يعيشوش اللي عشنا
محسن مسك إيدها وقال
مش هيعيشوه
وفي اللحظة دي نهى حست
من أرض الغيط
لشرفة بيت جديد
ومن وجع الوحدة
لشعور الشراكة
القصة بدأت بكنة قاعدة على الأرض في الطين
وانتهت بامرأة واقفة على أرض ثابتة
مش لأنها اتغيرت فجأة
لكن لأنها قررت ما تسكتش تاني
وهنا نهاية الحكاية